محاكمة تاريخية تتهم شركات تقنية بتعزيز إدمان وسائل التواصل الاجتماعي
دعوى قضائية في لوس أنجلوس تختبر مسؤولية منصات رقمية عن أضرار نفسية للشباب.
ملخص
بدأت في لوس أنجلوس واحدة من أبرز القضايا القضائية المرتبطة بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية، حيث تمثل شركات تكنولوجيا كبرى أمام المحكمة في دعوى تتهمها بتصميم منصات تشجع الإدمان بين المستخدمين الشباب. القضية، التي رُفعت نيابة عن شابة كانت قاصرًا وقت استخدام المنصات، تركز على الأضرار النفسية التي تقول إنها تعرضت لها نتيجة الاستخدام المكثف للتطبيقات. وتتابع الأوساط القانونية والإعلامية هذه المحاكمة باعتبارها اختبارًا جديدًا لمسؤولية شركات التكنولوجيا عن قرارات التصميم، وسط مطالبات متزايدة بمحاسبة قانونية أوسع.

المحاكمة وبداية الإجراءات في لوس أنجلوس
انطلقت إجراءات اختيار هيئة المحلفين في محكمة لوس أنجلوس في 27 يناير 2026، إيذانًا ببدء محاكمة تُعد الأولى من نوعها التي تصل إلى مرحلة المحلفين في قضايا تتعلق بإدمان وسائل التواصل الاجتماعي. ويرى مختصون في القانون أن هذه الخطوة قد تشكل سابقة مؤثرة في كيفية تعامل القضاء مع التأثيرات النفسية للمنصات الرقمية، خصوصًا على فئة المراهقين، مع توقعات بأن تستمر جلسات المحاكمة لعدة أسابيع.
تفاصيل الدعوى والادعاءات النفسية
ترتكز الدعوى على شكوى تقدمت بها شابة تبلغ من العمر 20 عامًا، أُشير إليها في أوراق القضية بالأحرف الأولى من اسمها، كانت قد بدأت الإجراءات القانونية عام 2023 عندما كانت لا تزال مراهقة. ووفق ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز، تؤكد المدعية أن استخدام منصات التواصل بشكل مكثف أدى إلى معاناتها من الاكتئاب واضطرابات الأكل وأفكار انتحارية، ما استدعى تدخلًا طبيًا نفسيًا. وتولت قضية الشابة جهة قانونية متخصصة في تمثيل ضحايا وسائل التواصل، في إطار مئات الدعاوى المشابهة المجمعة أمام محاكم ولاية كاليفورنيا.
شركات التكنولوجيا المتهمة في القضية
تواجه الدعوى عددًا من أبرز شركات التكنولوجيا في العالم، من بينها شركة ميتا المالكة لمنصتي فيسبوك وإنستغرام، وشركة ألفابت المالكة لمنصة يوتيوب، إضافة إلى شركة بايت دانس المشغلة لتطبيق تيك توك. وذكرت هيئة الإذاعة البريطانية أن الاتهامات تركز على أن هذه الشركات صممت خوارزميات الإشعارات والتمرير اللانهائي بهدف إبقاء المستخدمين أطول فترة ممكنة، مع إعطاء أولوية للإيرادات الإعلانية على حساب سلامة المستخدمين صغار السن.
كانت شركة سناب، المالكة لتطبيق سناب شات، ضمن قائمة المدعى عليهم في بداية القضية، لكنها توصلت إلى تسوية مالية غير معلنة مع المدعية خلال الأسبوع الماضي، بحسب ما أفادت وكالة فرانس برس. وبذلك، يواجه باقي المدعى عليهم جلسات علنية قد تكشف مراسلات داخلية ووثائق إدارية. ومن المنتظر أن يدلي المدير التنفيذي لشركة ميتا، مارك زوكربيرغ، بشهادته، في تكرار لمواقف سابقة دافع فيها عن شركته مؤكدًا عدم وجود دليل علمي قاطع يربط بين استخدام المنصات وتدهور الصحة النفسية لدى الشباب.

الإطار القانوني ونقطة التحول المحتملة
تنظر المحكمة في القضية تحت إشراف القاضية كارولين كوهل في المحكمة العليا بلوس أنجلوس، مع تركيز قانوني على قرارات التصميم وليس على المحتوى الذي ينشره المستخدمون. وأشارت مجلة بارونز إلى أن هذا التوجه يتجاوز الحماية التقليدية التي يوفرها قانون آداب الاتصالات، ويفتح الباب أمام تحميل الشركات مسؤولية مباشرة عن أنظمة التوصية التي يُقال إنها تدفع المستخدمين نحو محتوى ضار.
سياق أوسع لمحاسبة شركات التكنولوجيا
تأتي هذه القضية ضمن موجة أوسع من التحركات القانونية ضد شركات التكنولوجيا الكبرى. وذكرت هيئة الإذاعة البريطانية أن أكثر من ألف أسرة تقدمت بشكاوى عبر الجهة القانونية نفسها، في حين رفعت عشرات الولايات الأمريكية دعاوى ضد شركة ميتا عام 2023 بتهمة تضليل الرأي العام بشأن مخاطر منصاتها. كما انضمت مئات المناطق التعليمية إلى دعاوى تطالب بتعويضات مالية قد تصل في بعض القضايا المجمعة إلى 4.5 مليار دولار، وفق تقديرات منشورة في دوريات قانونية متخصصة.
مواقف الشركات والنقاش المجتمعي المتصاعد
تؤكد الشركات المدعى عليها أن استخدام منصاتها يتم طوعًا، وأن الأضرار المحتملة تعود إلى عوامل فردية أو اجتماعية، وليس إلى خلل جوهري في التكنولوجيا نفسها. وتستشهد هذه الشركات بأدوات مثل تحديد وقت الاستخدام والرقابة الأبوية كدليل على التزامها بالمسؤولية. في المقابل، يرى أكاديميون قانونيون، من بينهم أستاذ القانون بنجامين زيبورسكي من جامعة فوردهام، أن هذه المحاكمة قد تمثل بداية مرحلة جديدة من المساءلة الفعلية، في ظل نقاش عالمي متزايد حول تأثير العصر الرقمي على الأجيال الشابة.




