ما الذي صنع التيار المحيطي حول أنتاركتيكا قبل ملايين السنين؟
كيف تشكل أحد أقوى التيارات البحرية في العالم ولماذا كان له دور حاسم في إعادة تشكيل مناخ الأرض وبداية العصر الجليدي
ملخص
هل يمكن أن تفسر حركة الرياح القديمة شكل مناخنا اليوم؟ الإجابة تكمن في نشأة التيار المحيطي حول أنتاركتيكا، الذي أعاد رسم توازن الأرض بالكامل. في اكتشاف علمي جديد نُشر في Proceedings of the National Academy of Sciences، تكشف دراسة حديثة كيف نشأ التيار المحيطي حول أنتاركتيكا قبل نحو 34 مليون سنة نتيجة تفاعل معقد بين تباعد القارات وقوة الرياح الغربية. أظهرت النماذج المناخية أن فتح الممرات البحرية وحده لم يكن كافيًا، بل كان توجيه الرياح عبرها العامل الحاسم لتشكيل التيار. هذا التطور لعب دورًا مهمًا في تنظيم مناخ الأرض وخفض مستويات الكربون، مما ساهم في بداية العصر الجليدي.

لم يكن ظهور التيار المحيطي حول أنتاركتيكا مجرد صدفة جيولوجية، بل نتيجة تفاعل معقد بين الرياح والمحيطات وحركة القارات، في قصة تغيرت معها ملامح مناخ الأرض.
تيار هائل يقود مناخ الأرض
بعض أهم التحولات المناخية في تاريخ الأرض لم تبدأ بحدث واحد مفاجئ، بل بتغيرات بطيئة في شكل القارات، ومسارات الرياح، وحركة المياه عبر المحيطات. ومن أبرز هذه التحولات ظهور التيار المحيطي حول أنتاركتيكا، وهو تيار ضخم يدور حول القارة القطبية الجنوبية من دون أن توقفه اليابسة، ويبلغ تدفقه أكثر من 100 ضعف مجموع تدفق جميع أنهار العالم. لذلك لا يُنظر إليه كتيار بحري عادي، بل كأحد أهم المحركات في النظام المناخي العالمي.
ولتفسير كيف بدأ هذا التيار العملاق، ومتى بدأ يتخذ شكله الفعلي، قدمت دراسة جديدة نُشرت في Proceedings of the National Academy of Sciences قراءة أكثر دقة لبداياته. الدراسة، التي قادتها هانا كنال (Hanna Knahl) من معهد ألفريد فغنر (Alfred Wegener Institute, Helmholtz Centre for Polar and Marine Research)، أظهرت أن تشكل التيار المحيطي حول أنتاركتيكا لم يعتمد على فتح الممرات البحرية وحده. فظهور التيار المحيطي حول أنتاركتيكا (Antarctic Circumpolar Current, ACC) احتاج أيضًا إلى شرط حاسم آخر: أن تبتعد القارات بما يكفي كي تمر الرياح الغربية القوية مباشرة عبر الممرات البحرية المناسبة.
بداية التيار المحيطي حول أنتاركتيكا قبل 34 مليون سنة
أعادت الدراسة تتبع القصة إلى نحو 34 مليون سنة، خلال الانتقال إلى عصر الأوليغوسين، وهي مرحلة ساعدت في تشكيل مناخ الأوليغوسين المبكر وغيرت وجه الكوكب. في ذلك الوقت، كانت الأرض تتحول من عالم دافئ قليل الجليد إلى مناخ أبرد اتسعت فيه الصفائح الجليدية قرب القطبين.
خلال هذه الفترة، اتسعت وتعُمقت الممرات البحرية بين أنتاركتيكا وأستراليا وأميركا الجنوبية. وفي الوقت نفسه تقريبًا، بدأ التيار المحيطي حول أنتاركتيكا في الظهور، كما بدأت الصفيحة الجليدية في أنتاركتيكا بالتشكل. وتشير الدراسة إلى أن مستويات ثاني أكسيد الكربون (CO2) في الغلاف الجوي كانت تقارب 600 جزء في المليون آنذاك، وهو مستوى لم تصل إليه الأرض مجددًا منذ ذلك الزمن، رغم أن بعض السيناريوهات المستقبلية تتوقع إمكان تجاوزه بنهاية هذا القرن.
وتوضح كنال أن فهم هذه المرحلة مهم لأي محاولة جادة لقراءة المستقبل، لأن دراسة الماضي عبر النماذج والبيانات تكشف كيف كانت الأرض تتصرف في مناخات أكثر دفئًا وأعلى من حيث ثاني أكسيد الكربون. لكنها تشدد أيضًا على أن الماضي لا يمكن إسقاطه حرفيًا على المستقبل، لأن التيار في بداياته كان يؤثر في المناخ بطريقة مختلفة عن تأثيره الحالي بعد اكتمال تطوره.

كيف أعاد العلماء بناء ولادة التيار؟
لفهم هذه البداية المعقدة، شغلت كنال وفريقها محاكاة مناخية مفصلة اعتمدت على شكل الأرض قبل نحو 33.5 مليون سنة، عندما كانت أستراليا وأميركا الجنوبية أقرب كثيرًا إلى أنتاركتيكا مما هما عليه اليوم. ولم تقتصر المحاكاة على المحيط وحده، بل جرى دمجها مع نموذج للصفيحة الجليدية في أنتاركتيكا مأخوذ من دراسة نُشرت عام 2024 في Science، وربط هذا النموذج مع المحيط والغلاف الجوي واليابسة في إطار واحد.
هذا الربط سمح للباحثين بمتابعة كيفية تطور التيارات البحرية في عالم قديم مختلف جذريًا عن الحاضر. وبعد ذلك، قارن الفريق نتائج المحاكاة بإعادة بناء جيولوجية تعود إلى الفترة الزمنية نفسها، لقياس مدى تطابق النموذج مع الأدلة المستخلصة من الصخور والرواسب والسجل الجيولوجي.
ممر تاسمان والرياح الغربية كانا العامل الحاسم
أحد أوضح ما خرجت به الدراسة كان الدور المحوري لممر تاسمان، وهو الممر البحري بين أنتاركتيكا وأستراليا. فبحسب النتائج، لم يكن مجرد انفتاح هذا الممر كافيًا لكي يتشكل التيار المحيطي حول أنتاركتيكا في صورة حلقة كاملة تدور حول القارة.
وتقول كنال إن مؤشرات سابقة كانت قد لمّحت إلى أن الرياح في ممر تاسمان لعبت دورًا مهمًا في نشوء هذا التيار، لكن المحاكاة الجديدة أكدت ذلك بوضوح. فقط عندما ابتعدت أستراليا مسافة أكبر عن أنتاركتيكا، وأصبحت الرياح الغربية القوية تهب مباشرة عبر ممر تاسمان، تمكن التيار من التطور بصورة كاملة. وهنا اتضح أن الممرات البحرية والرياح الغربية عملا معًا على تشكيل التيار، وأن القصة لم تكن مجرد قصة ممرات مفتوحة، بل أيضًا قصة مواقع قارات وتوقيت جيولوجي دقيق.
محيط جنوبي مختلف عما نعرفه اليوم
تُظهر الدراسة أيضًا أن المحيط الجنوبي في تلك المرحلة المبكرة لم يكن يشبه صورته الحالية. فحتى بعد انفتاح الممرات البحرية، لم يكن التيار قد شكل بعد حلقة مستمرة تلف أنتاركتيكا بالكامل. بدلًا من ذلك، ظهر تدفق قوي للمياه في القطاعين الأطلسي والهندي، بينما بقي القطاع الهادئ أكثر هدوءًا نسبيًا.
هذا يعني أن التيار المحيطي حول أنتاركتيكا، أو Antarctic Circumpolar Current، لم يولد دفعة واحدة في صورته الحديثة، بل مر بمرحلة مبكرة كانت فيها بنيته غير مكتملة، وكانت آثاره على المناخ مختلفة عن آثار التيار الحالي. كما تشير هذه النتيجة إلى أن إعادة تنظيم دوران المحيطات العالمية جرت بشكل تدريجي، ولم تحدث بالطريقة نفسها في كل الأحواض البحرية في الوقت نفسه.
النماذج المزدوجة تكشف ما كان مخفيًا
اعتمدت الدراسة على ربط نماذج المناخ بنماذج الصفائح الجليدية، وهي مقاربة ما تزال حديثة نسبيًا ومعقدة من الناحية التقنية، لكنها تمنح العلماء صورة أكثر واقعية عن تفاعل مكونات الأرض المختلفة. وقد شارك في هذا العمل باحثون من أقسام ديناميكيات مناخ الماضي والجيولوجيا البحرية في معهد ألفريد فغنر، إلى جانب شركاء دوليين من المركز الأسترالي للتميز في علوم أنتاركتيكا (Australian Centre of Excellence in Antarctic Science) ومركز أبحاث أنتاركتيكا في ويلينغتون (Antarctic Research Centre Wellington).
ويقول غيريت لوهمان (Gerrit Lohmann)، عالم نمذجة المناخ القديم في معهد ألفريد فغنر وأحد المشاركين في الدراسة، إن هذه هي المرة الأولى التي يتضح فيها بهذا الشكل مدى أهمية هذا النوع من المحاكاة المزدوجة وعالية الدقة في دراسة مناخ الماضي السحيق، رغم ما تتطلبه من جهد حسابي كبير.
لماذا يهم هذا الاكتشاف مناخ اليوم؟
تكمن أهمية هذه النتائج في أنها لا تتعلق فقط بتاريخ تيار بحري قديم، بل بكيفية إعادة تنظيم دوران المحيطات العالمية على مستوى الكوكب. فبحسب يوهان كلاغيس (Johann Klages)، وهو عالم جيولوجيا أرضية في معهد ألفريد فغنر، كان لتشكل التيار المحيطي حول أنتاركتيكا دور قوي في دفع المحيط إلى امتصاص الكربون.
وهذا الامتصاص ساعد على خفض تركيز غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، ما كان يمكن أن يسهم في بدء المناخ الأبرد لما يعرف بالعصر الجليدي السينوزوي، وهو العصر الذي ما زال مستمرًا حتى اليوم، مع أقطاب مغطاة بالجليد وتناوب بين الفترات الدافئة والباردة. ومن هنا، فإن فهم تشكل هذا التيار لا يساعد فقط في تفسير الماضي، بل يمنح العلماء أيضًا أساسًا أوثق لقراءة التغيرات الحديثة في دوران المحيط الجنوبي.
ماذا تضيف هذه القصة إلى فهم المستقبل؟
تمنح هذه الدراسة صورة أوضح لكيفية تعاون المحيطات والغلاف الجوي وحركة القارات في إعادة تشكيل مناخ الأرض. وهي تذكر بأن الأنظمة المناخية الكبرى لا يحكمها عامل واحد، بل تتشكل من تفاعل معقد بين الجغرافيا والرياح والجليد والكربون وحركة المياه في المحيطات.
والأهم أن هذا الفهم لا يخص الماضي وحده. فعندما يدرس العلماء ولادة التيار المحيطي حول أنتاركتيكا، فهم يحاولون أيضًا فهم الآليات العميقة التي تتحكم في مناخ الكوكب عندما ترتفع مستويات ثاني أكسيد الكربون، أو يتغير شكل الممرات البحرية، أو يعاد ترتيب توازن المحيطات من جديد. ولهذا تبدو قصة هذا التيار القديم جزءًا من النقاش الحالي حول مستقبل مناخ الأرض، لا مجرد فصل من تاريخها البعيد.
أسئلة شائعة (FAQ):
ما هو التيار المحيطي حول أنتاركتيكا؟
هو تيار بحري ضخم يدور حول القارة القطبية الجنوبية دون انقطاع، ويُعد أحد أهم العوامل التي تتحكم في توزيع الحرارة والمياه في محيطات العالم.
## متى بدأ تشكل التيار المحيطي حول أنتاركتيكا؟
بدأ تشكله قبل حوالي 34 مليون سنة خلال فترة العصر الأوليغوسيني، عندما بدأت الأرض تشهد تحولات مناخية كبيرة نحو البرودة.
## ما العوامل التي ساعدت في نشأة التيار المحيطي حول أنتاركتيكا؟
تشمل العوامل الرئيسية تباعد القارات، انفتاح الممرات البحرية، وقوة الرياح الغربية التي سمحت بتدفق المياه بشكل مستمر حول القارة.
## كيف يؤثر التيار المحيطي حول أنتاركتيكا على المناخ؟
يساعد في تنظيم حرارة الأرض، ويعزز امتصاص المحيطات لثاني أكسيد الكربون، مما يساهم في تقليل الاحتباس الحراري على المدى الطويل.




