رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
12:25 م calendar السبت 18 يوليو 2026

الحيوانات الكبيرة تهزم السرطان: دراسة تكشف استراتيجيات الوقاية الطبيعية عبر العصور

كيف تكافح الحيوانات طويلة العمر الطفرات السرطانية وتبني دفاعات جينية فريدة؟

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

أظهرت دراسة رائدة بقيادة الدكتورة إيمي بودي، شملت 292 نوعًا من الفقاريات على مدار عشر سنوات، أن الحيوانات الكبيرة، مثل الحيتان والفيلة، تصاب بالسرطان بمعدلات أقل من المتوقع. وأظهرت النتائج أن بعض الأنواع، كالدلافين، لديها معدلات منخفضة للإصابة، بينما يعاني النمس من معدلات أعلى. تشير الدراسة إلى وجود استراتيجيات جينية متطورة لدى هذه الحيوانات تمكنها من مقاومة الطفرات الضارة، مما يساعدها على البقاء بصحة جيدة. تفتح هذه النتائج آفاقًا جديدة لأبحاث السرطان، موفرة فهمًا أعمق لآليات مقاومة المرض.


صورة أرشيفية 
صورة أرشيفية 

“مفارقة بيتو”: لماذا تنجو الحيوانات الكبيرة من السرطان بمعدلات أقل من المتوقع؟

 

رغم انتشار السرطان على نطاق واسع وتكثيف الأبحاث العلمية لفهمه، تظل بعض الجوانب غامضة، لاسيما التفاوت في معدلات الإصابة بين الأنواع الحيوانية. من أكثر الأسئلة التي تثير فضول العلماء هو “مفارقة بيتو”، التي تشير إلى أن الحيوانات الكبيرة، مثل الحيتان والفيلة، يُفترض أن تكون أكثر عرضة للطفرات التي تؤدي إلى السرطان نظرًا لضخامة عدد خلاياها. لكن المفاجأة أن هذه الحيوانات لا تصاب بالسرطان بنفس المعدلات المتوقعة.

دراسة شاملة لاستراتيجيات مقاومة السرطان

 

في دراسة نشرت مؤخرًا في مجلة Cancer Discovery، قادت العالمة إيمي بودي، من قسم الأنثروبولوجيا بجامعة كاليفورنيا سانتا باربرا، فريقًا بحثيًا لجمع بيانات عن معدلات السرطان بين 292 نوعًا من الفقاريات، شملت البرمائيات والزواحف والطيور والثدييات. استمرت الدراسة على مدى عشر سنوات، وتعد الأكبر من نوعها، حيث تقدم نظرة شاملة لاستراتيجيات مقاومة السرطان المتنوعة التي طورتها بعض الأنواع.

نتائج غير متوقعة حول معدلات الإصابة بالسرطان بين الحيوانات

 

أظهرت نتائج الدراسة أن بعض الأنواع، مثل الدلافين، تعاني من نسب منخفضة من السرطان، في حين تواجه أنواع أخرى، مثل النمس، معدلات أعلى من المرض. ووجد الباحثون أن هذه الفروقات في معدلات الإصابة تعود إلى استراتيجيات جينية فريدة لدى بعض الأنواع الكبيرة التي تمكنها من التصدي للطفرات الضارة.

الاستراتيجيات الجينية ودورها في الوقاية من السرطان

 

تستفيد الحيوانات الكبيرة من استراتيجيات جينية متطورة تساهم في الحفاظ على صحة خلاياها وتمنع انتشار الطفرات المسببة للسرطان. هذه الآليات تتضمن تعزيز عمل الجينات التي ترصد وتصلح الأضرار الخلوية، وتفعيل برامج جينية تحد من انقسام الخلايا غير المنضبط. وأشارت الدكتورة بودي إلى أن هذه الآليات تتطور لدى الأنواع الكبيرة بفضل آليات تكيفية تتناسب مع أعداد خلاياها الكبيرة.

آفاق جديدة لفهم آليات مقاومة السرطان

 

تفتح هذه الدراسة آفاقًا جديدة لأبحاث السرطان من خلال تقديم فهم أعمق لكيفية مقاومة بعض الأنواع للمرض. وقد أوضحت الدكتورة بودي أن نتائج الدراسة توفر قاعدة لفهم كيفية تطور استراتيجيات مقاومة الطفرات، وهو ما قد يسهم في تطوير أساليب علاجية جديدة للإنسان مستوحاة من الطبيعة.

نتائج الدراسة: تفاوت ملحوظ في مقاومة السرطان بين الأنواع

 

أظهرت الدراسة تباينًا كبيرًا في معدلات الإصابة بالسرطان بين الأنواع المختلفة، حيث برزت بعض الحيوانات، مثل الدلفين الشائع والبطريق ذو الأقدام السوداء، بقدرة استثنائية على مقاومة المرض. في المقابل، كانت هناك أنواع أخرى مثل النمس والأبوسوم عرضة للإصابة بالسرطان بمعدلات أعلى. وتشير الدكتورة إيمي بودي إلى أن السرطان “يعتبر تحديًا أساسيًا للكائنات متعددة الخلايا”، حيث يسمح هذا التعدد الخلوي بظهور طفرات جينية غير محكمة يمكن أن تتطور إلى أورام سرطانية.

التعدد الخلوي وعلاقته بظهور الطفرات

 

يعد التعدد الخلوي أحد العوامل المعقدة التي تتيح تنوع وتفاعل الخلايا، مما يجعل الكائن الحي عرضة لظهور طفرات جينية تؤدي إلى السرطان. وتشير الدكتورة بودي إلى أن هذا التحدي يرتبط بالأساس بطبيعة تعدد الخلايا في الكائنات الحية، إذ يتم تفعيل آليات مقاومة السرطان بصورة مختلفة بين الأنواع، لتعزيز قدرتها على مكافحة الطفرات الجينية الضارة.

صورة أرشيفية 
صورة أرشيفية 

دور عوامل الجسم في تفسير “مفارقة بيتو”

 

أتاحت الدراسة للباحثين فرصة التحكم في عوامل متعددة مثل حجم الجسم وطول فترة الحمل. وقد أظهرت النتائج أن العلاقة بين الوزن البالغ وانتشار السرطان ليست قوية عند مراعاة مدة فترة الحمل، مما يشير إلى أن وزن الجسم ليس العامل الأساسي لتفسير مفارقة بيتو، بل أن هناك عوامل أكثر تعقيدًا تسهم في هذا التفسير.

أهمية النتائج في تفسير مفارقة بيتو

 

تقدم هذه النتائج نظرة أعمق على مفارقة بيتو، وتوضح أن مقاومة السرطان لدى بعض الحيوانات قد تكون نتيجة استراتيجيات جينية متطورة تتيح التكيف مع الطفرات الضارة بطرق مبتكرة. وتؤكد الدكتورة بودي أن بعض الأنواع قد طورت على مدى العصور تقنيات بيولوجية تحميها من انتشار الطفرات، مما يساعدها على مقاومة السرطان بفاعلية.

استراتيجيات التكيف لدى الحيوانات الكبيرة لمقاومة السرطان

 

اكتشفت الدراسة أن بعض الأنواع الكبيرة طورت آليات بيولوجية وجينية فريدة لحماية خلاياها من الطفرات السرطانية. على سبيل المثال، تملك الفيلة والحيتان بروتينات تقوم بتعطيل الخلايا السرطانية بشكل مبكر، مما يحافظ على صحة خلاياها بشكل أكبر. تساعد هذه الآليات الحيوانات الكبيرة في التصدي للسرطان، مما يعزز من قدرتها على النجاة بمعدلات أفضل من المتوقع.

الاستثمار في الصيانة الجسدية والدفاع ضد الطفرات

 

تشير الدكتورة بودي إلى أن الحيوانات الكبيرة، ذات الأعمار الطويلة، تستثمر موارد كبيرة في آليات الصيانة الجسدية والدفاع ضد الطفرات الجينية. فهذه الأنواع تحتاج إلى حماية خلاياها من الطفرات السرطانية التي قد تتراكم على مدار حياتها الطويلة، ما يفسر انخفاض معدلات الإصابة بالسرطان لديها. وأظهرت الدراسة أن الحيوانات ذات فترات الحمل الطويلة، التي تتسم غالباً بأحجامها الكبيرة، تعتمد على آليات دفاع داخلية قوية تمنع ظهور الطفرات الضارة. وتؤكد بودي أن “هذه الاستراتيجيات ليست غموضًا من منظور تطوري، بل تمثل آليات متطورة للبقاء”.

استراتيجيات مقاومة السرطان عبر التاريخ التطوري

 

تُظهر الدراسة أن الحيوانات طورت على مدى العصور استراتيجيات فريدة لمقاومة السرطان، تتفاوت بحسب النوع. فمثلاً، تتميز الفيلة بامتلاكها 20 نسخة من جين P53، المثبط للورم، والذي يُعرف بدوره الحيوي في إصلاح الحمض النووي ومنع انتشار الخلايا السرطانية. وعلى الجانب الآخر، تمتاز بعض الحيوانات بمعدلات طفرات منخفضة نسبياً، ما يقلل من فرص تراكم الطفرات الجينية الضارة وبالتالي يقلل من احتمالات تحولها إلى خلايا سرطانية.

تاريخ طويل من الصراع مع السرطان

 

تُفسّر الدكتورة إيمي بودي هذه الاستراتيجيات الدفاعية المتنوعة ضد السرطان بأنها ناتجة عن صراع طويل ومستمر بين الحيوانات والسرطان عبر العصور. تصف بودي هذا المرض بأنه “ضغط انتقائي دائم”، مما دفع الحيوانات متعددة الخلايا إلى تطوير آليات وقائية فريدة على مدار التاريخ التطوري. وتشير إلى أن كل نوع حيواني يحمل “قصة تطور فريدة” تشرح كيفية تكيفه لمقاومة السرطان، وهو ما يفسر التباينات الكبيرة بين الأنواع ويبرر عدم وجود نمط عام لانتشار المرض بين الفقاريات.

نحو أبحاث سرطان أوسع: دراسات تتجاوز نماذج الفئران

 

أحد أبرز استنتاجات الدراسة هو الحاجة إلى توسيع نطاق أبحاث السرطان لتتجاوز النماذج التقليدية، مثل الفئران، التي تُستخدم حاليًا بشكل شائع في الدراسات. ترى بودي أن الاعتماد على الفئران قد لا يفي بالغرض لفهم التنوع الجيني وآليات مقاومة السرطان لدى أنواع الحيوانات المختلفة، وأن دراسة حيوانات أخرى قد تكشف عن رؤى أعمق. توضح بودي: “يمكننا الحصول على فهم أوسع لآليات مقاومة السرطان إذا درسنا أنواعًا متنوعة تتعرض لأنواع مختلفة من هذا المرض”.

التركيز على الرئيسيات ودراسة أنواع سرطان محددة

 

يسعى فريق بودي حاليًا لتوسيع نطاق الدراسة إلى أنواع معينة من السرطانات، مع التركيز بشكل خاص على الرئيسيات ودراسة ما إذا كانت تصاب بالأنواع نفسها من السرطان التي تؤثر على البشر. بالإضافة إلى ذلك، يعمل الفريق على فهم الآليات الجينية التي تزيد من احتمالية الإصابة بالسرطان لدى بعض الأنواع المعرضة له بشكل أكبر. تهدف هذه الجهود إلى إلقاء الضوء على طرق جديدة لعلاج السرطان والوقاية منه، مما قد يسهم في توفير وسائل علاجية مبتكرة للبشر في المستقبل.

الاكثر مشاهدة

تم نسخ الرابط