انسحاب مجموعة فاغنر من مالي: نهاية مرحلة وبداية استراتيجية روسية جديدة في الساحل
بعد 3.5 سنوات من العمليات: فاغنر تغادر مالي وتفسح المجال لـ"فيلق أفريقيا"
ماذا يعني انسحاب فاغنر من مالي بعد ثلاث سنوات من الحرب؟
في 6 يونيو 2025، أعلنت مجموعة فاغنر الروسية انسحابها من مالي، منهية مهمة استمرت 3.5 سنوات في دعم الجيش المالي ضد الجماعات المتشددة. انسحاب فاغنر يأتي بعد إنجازات عسكرية بارزة، شملت قتل آلاف المقاتلين واستعادة مدن استراتيجية كغاو وتمبكتو، لكنه أيضًا تزامن مع خسائر بشرية جسيمة وتصاعد في الهجمات الإرهابية، واتهامات رسمية لأوكرانيا بدعم الجماعات الجهادية. روسيا أكدت استمرار دعمها عبر "فيلق أفريقيا"، الذي يضم مقاتلين سابقين في فاغنر، مع تركيز متزايد على التدريب والمشورة العسكرية بدلًا من القتال المباشر. الانسحاب يعكس تحولات استراتيجية في الدور الروسي غرب أفريقيا، ويعيد رسم مشهد التوازنات الإقليمية في منطقة الساحل.

بداية المهمة: تدخل فاغنر بدعوة رسمية من باماكو
دخلت مجموعة فاغنر إلى مالي في عام 2021 بدعوة من الحكومة المالية، بعد انسحاب القوات الفرنسية. مهمتها كانت دعم القوات المالية في مواجهة جماعات إرهابية كـ"نصرة الإسلام والمسلمين" و"داعش الصحراء الكبرى". تألفت القوة من أكثر من 1000 مقاتل ووفرت خدمات أمنية، تدريبات، ومشاركات مباشرة في العمليات القتالية.
إعلان الانسحاب: ما الذي تحقق وما الذي فُقد؟
في بيان رسمي صدر في 6 يونيو 2025، أكدت فاغنر أن مهمتها في مالي "أنجزت بالكامل"، معلنة انسحابها من البلاد بعد السيطرة على مدن استراتيجية مثل تمبكتو وغاو وكيدال. ورغم هذا الإعلان، تشير تقارير إلى تصاعد في وتيرة الهجمات، بما في ذلك كمائن في الشمال أودت بحياة عشرات الجنود الروس والماليين في يوليو 2024.
إنجازات معلنة وخسائر غير بسيطة
تدّعي فاغنر أنها قتلت آلاف المتشددين، وأسهمت في مضاعفة المساحات الخاضعة لسيطرة الحكومة المالية. لكن تقارير مستقلة تشير إلى أن الانتصارات جاءت بتكلفة بشرية عالية، خصوصًا بعد مقتل 46 عنصرًا من فاغنر و24 جنديًا ماليًا في هجوم بتينزاواتين. كما تكررت الهجمات في الشمال وتعرضت قوافل فاغنر لكمائن من تمرد الطوارق.
التكلفة المالية: دعم عسكري بسعر مرتفع
كشف معهد السياسة الأوروبية والخارجية أن تكلفة وجود فاغنر في مالي بلغت نحو 10 ملايين يورو شهريًا، وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا على اقتصاد البلاد، وسببًا لانتقادات داخلية حول جدوى استمرار التعاون العسكري مع موسكو.

من يخلف فاغنر؟ فيلق أفريقيا يدخل المشهد
مع انسحاب فاغنر، أعلنت روسيا استمرار دعمها لباماكو عبر "فيلق أفريقيا"، وهو وحدة عسكرية جديدة تابعة مباشرة للكرملين. يتكوّن الفيلق بنسبة 70 إلى 80% من مقاتلين سابقين في فاغنر، مع إعادة هيكلة أكثر انضباطًا وتركيز على المهام التدريبية والدعم الاستخباراتي.
تداعيات دبلوماسية: اتهام أوكرانيا بدعم الإرهاب
في تطور صادم، اتهمت السلطات المالية وأعضاء فاغنر أوكرانيا بتقديم دعم لجماعات متشددة، بعد العثور على طائرات مسيرة ووثائق أوكرانية خلال عمليات أمنية. نتيجة لذلك، أعلنت مالي قطع علاقاتها الدبلوماسية مع كييف، ولحقتها كل من النيجر وبوركينا فاسو، في مشهد يعكس حجم الاستقطاب الدولي في منطقة الساحل.
مستقبل مقاتلي فاغنر: لا وضوح بعد
لم تُعلن روسيا حتى الآن عن خطط واضحة لمستقبل المقاتلين العائدين من مالي، سواء من حيث إعادة دمجهم داخل روسيا أو إرسالهم إلى جبهات أخرى مثل ليبيا أو سوريا. البعض يتوقع دمجهم تدريجيًا ضمن قوات رسمية أو شركات أمنية خاصة بديلة.
فاغنر بعد بريغوجين: منظمة باقية ولكن بوجه مختلف
رغم مقتل قائدها يفغيني بريغوجين في أغسطس 2023، استمرت فاغنر في أداء دورها العسكري في القارة الأفريقية، خصوصًا في السودان وأفريقيا الوسطى، مع دعم غير مباشر من موسكو. ويبدو أن انسحابها من مالي لا يعني نهاية دورها بالكامل، بل بداية مرحلة جديدة من التكيف مع الاستراتيجية الروسية الأوسع في أفريقيا.




