هل تطور المشي على قدمين بين الأشجار؟
دراسة ميدانية على شمبانزي تنزانيا تقدم دليلاً جديدًا على أن المشي على قدمين بدأ بين الأغصان لا على الأرض.
ماذا لو لم يبدأ المشي على قدمين فوق الأرض؟ دراسة جديدة تقترح جذورًا شجرية لحركة الإنسان المنتصبة!
توصلت دراسة حديثة إلى أن المشي على قدمين قد يكون تطور أساسًا بين الأشجار لا على الأرض كما اعتُقد. من خلال مراقبة شمبانزي وادي إيسا في بيئة شبيهة بالفسيفساء السافانية، كشفت الأبحاث أن سلوكيات التنقل الشجري المنتصبة تُستخدم لتحقيق التوازن والوصول للغذاء. هذا الاكتشاف يفتح بابًا لإعادة فهم تطور الحركة البشرية، ويقترح أن الببيدالية كانت تكيفًا مرنًا مع بيئة معقدة تجمع بين الغابات والمناطق المكشوفة.

دراسة حديثة تقدم تفسيرًا جديدًا لتطور المشي على قدمين لدى الإنسان القديم
لطالما أثار تطور المشي على قدمين لدى الإنسان القديم اهتمام العلماء، خاصة مع ندرة الأدلة الأحفورية التي توثق الفترة الانتقالية التي انتقل خلالها أسلاف البشر من العيش في الغابات إلى بيئات أكثر جفافًا تعرف باسم "الفسيفساء السافانية". ورغم أن بعض الأنواع المبكرة كانت قادرة على المشي الثنائي، إلا أنها احتفظت بقدرات قوية على التسلق، ما يشير إلى تطور معقد للسلوك الحركي بين الفروع والأرض.
أبحاث على الشمبانزي في تنزانيا تسلط الضوء على أصول المشي الثنائي
في دراسة ميدانية حديثة قادتها الدكتورة ريهانا دروموند-كلارك من معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية، قام الباحثون بمراقبة جماعة من الشمبانزي في وادي إيسا شمال تنزانيا. وتُعد هذه المنطقة نموذجًا مثاليًا يجمع بين الغابات الكثيفة ومناطق شبه مفتوحة تشبه تلك التي عاش فيها أسلاف الإنسان الأوائل. وقد نُشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة Frontiers in Ecology and Evolution، وتهدف إلى تقديم تفسير جديد لتطور المشي على قدمين داخل بيئة شجرية وليست فقط أرضية.
الشمبانزي لا يزال يعتمد على التسلق رغم البيئة المفتوحة
رغم أن بيئة وادي إيسا تفرض ظروفًا شبيهة بالمناطق المكشوفة التي تدفع الكائنات للبقاء على الأرض، أظهرت المراقبة أن الشمبانزي في هذه المنطقة ما يزال يستخدم الأشجار بشكل مكثف، خصوصًا خلال موسم الجفاف. هذه الملاحظة تدعم الفرضية القائلة بأن المهارات الحركية الشجرية كانت ضرورية للبقاء، حتى في بيئات يغلب عليها الطابع المفتوح.
السلوك الغذائي يشرح التمسك بالحياة بين فروع الأشجار
ركز الفريق البحثي على تحليل سلوكيات البحث عن الطعام، حيث وثّقوا كيفية تنقل الشمبانزي بين الأشجار، وأنواع الأشجار المفضلة، وخصائصها الفيزيائية مثل الطول والحجم وشكل التاج وعدد الفروع. وأظهرت البيانات أن الشمبانزي يقضي وقتًا أطول في الأشجار الكبيرة التي توفر فواكه غنية، والتي تُعد المصدر الغذائي الأساسي، تليها الأوراق والزهور. هذه العناصر توجد عادة على أطراف الفروع الرفيعة، ما يتطلب قدرة كبيرة على التوازن والتسلق، الأمر الذي يوضح استمرار أهمية المهارات الحركية الشجرية.
أنماط الحركة بين الفروع تكشف أصول المشي الثنائي
اعتمد الشمبانزي في وادي إيسا على أنماط حركة خاصة داخل الأشجار مثل التعليق أسفل الفروع أو الوقوف بوضعية منتصبة أثناء الإمساك بأغصان قريبة. وتشير هذه السلوكيات إلى أن الوقوف المنتصب، وهو سمة من سمات المشي على قدمين، لم يتطور فقط كاستجابة للعيش على الأرض، بل ربما بدأ كتكيف حركي داخل البيئة الشجرية نفسها. وهذا يفتح مجالاً لإعادة تقييم تطور الببيدالية (bipedalism) من منظور بيئي وسلوكي مختلف.

دعم فرضية تطور المشي الثنائي بين الأشجار وليس على الأرض فقط
ترى دروموند-كلارك أن نتائج الدراسة تدعم بقوة فكرة أن المشي على قدمين ربما بدأ في الأشجار، حيث يستخدم الشمبانزي اليوم هذا النمط من الحركة لتحقيق توازن أفضل أثناء التنقل بين الفروع المتباعدة. وأضافت أن الوقوف المنتصب مع الاستناد، والتعليق أسفل الأغصان، هي استراتيجيات حركية مفيدة لكائنات ذات حجم كبير تحتاج للوصول إلى غذاء مرتفع، دون التعرض لخطر السقوط.
دعوة إلى توسيع الأبحاث والتحقق من السلوك العام في الفسيفساء السافانية
رغم أهمية ما تم التوصل إليه، تؤكد الباحثة أن هناك حاجة ملحة لتوسيع نطاق الدراسة لتشمل مجتمعات أخرى من الشمبانزي في بيئات مماثلة. وذلك للتحقق مما إذا كانت أنماط الحركة والغذاء المرصودة في وادي إيسا تمثل نمطًا عامًا أم حالة محلية. كما دعت إلى جمع بيانات عن القيمة الغذائية للأطعمة، وتوسيع الرصد ليشمل موسم الأمطار، لفهم مدى اعتماد الشمبانزي على البيئة الشجرية في جميع الظروف المناخية.
إعادة النظر في سيناريو تطور الإنسان بين الأرض والأشجار
تشير نتائج هذه الدراسة إلى أن التطور الحركي لدى أسلاف الإنسان قد يكون أعمق وأكثر تعقيدًا مما يُعتقد. فبدلاً من تصور أن التحول من الحياة على الأشجار إلى الأرض جاء نتيجة تغيّر البيئة فقط، يبدو أن الإنسان القديم واصل تطوير مهاراته في التسلق والمشي الثنائي في آن واحد، مستفيدًا من بيئة تتطلب مرونة حركية وتوازناً دقيقاً في سبيل تأمين الغذاء والسلامة.




