خسائر القطار السريع في إندونيسيا يربك مبادرة الحزام والطريق
مشروع القطار السريع بين جاكرتا وباندونغ يتحول من إنجاز هندسي إلى أزمة مالية تضرب مبادرة الصين "الحزام والطريق".
ملخص
القطار السريع في إندونيسيا، أحد أبرز مشروعات الحزام والطريق الصينية، يواجه تحديات مالية كبيرة بعد ارتفاع التكاليف وتراجع الإقبال على السفر بين جاكرتا وباندونغ. المشروع الذي بدأ عام 2023 تحول من رمز للتعاون الصيني إلى عبء اقتصادي يثير الجدل داخل إندونيسيا وخارجها. الحكومة الإندونيسية تحاول إعادة التفاوض بشأن الديون مع الصين وسط تحذيرات من أزمة مالية قد تؤثر على مصداقية مبادرة الحزام والطريق عالميًا.

القطار السريع في إندونيسيا… انطلاقة طموحة لمشروع الحزام والطريق
افتتحت إندونيسيا في أكتوبر 2023 أول قطار سريع في جنوب شرق آسيا يربط العاصمة جاكرتا بمدينة باندونغ، ضمن مشروع ضخم تموله الصين في إطار مبادرة الحزام والطريق.
المشروع، الذي تبلغ سرعته القصوى 350 كيلومترًا في الساعة، يقطع المسافة البالغة 142 كيلومترًا خلال 45 دقيقة فقط، ما اعتُبر إنجازًا هندسيًا واعدًا.
إيفا تشيرونيسا، المديرة العامة للشؤون المؤسسية في شركة Kereta Cepat Indonesia China (KCIC)، صرحت حينها بأن القطار يمثل نقلة نوعية في قطاع النقل الإندونيسي، إذ “يجعل السفر أسرع وأكثر راحة وكفاءة”.
أزمة الديون تهدد مستقبل القطار السريع في إندونيسيا
مع مرور الوقت، تزايدت المخاوف بشأن التمويل. فقد بلغت تكلفة المشروع 7.2 مليارات دولار بزيادة 30% عن التقديرات الأولية.
وسجّلت الشركات الإندونيسية المشاركة، وعلى رأسها شركة السكك الحديدية الوطنية (PT Kereta Api Indonesia – KAI)، خسائر بلغت 4.195 تريليون روبية في 2024، أي بزيادة تفوق أربعة أضعاف عن العام السابق.
وتشير التقديرات إلى أن العجز الكلي للمشروع أكبر من ذلك، نظرًا لعدم إعلان الجانب الصيني بياناته المالية بشكل علني.
تراجع الإقبال يضاعف الخسائر التشغيلية
رغم التوقعات العالية، لم يحقق القطار السريع في إندونيسيا الإقبال المأمول. فحتى نهاية يوليو 2025، لم يتجاوز عدد الركاب 10.7 ملايين، أي ما يعادل ثلث التقديرات الحكومية.
توضح صحيفة كومباس (Kompas) أن موقع المحطات البعيدة عن مراكز المدن جعل كثيرين يفضلون التنقل بالسيارات أو الرحلات الجوية. كما أن المسافة القصيرة نسبيًا بين جاكرتا وباندونغ لا تبرر تكلفة التشغيل العالية، ما جعل المشروع يعاني من ضعف الجدوى الاقتصادية منذ البداية.
صراع صيني-ياباني على خطوط السكك الحديدية الآسيوية
شهدت مراحل تنفيذ المشروع تنافسًا حادًا بين الصين واليابان. وفي عام 2015، حسمت إدارة الرئيس الأسبق جوكو ويدودو (Joko Widodo) الصفقة لصالح الصين، متجاهلة العرض الياباني الذي كان يروج لتقنية «شينكانسن».
السبب كان العرض الصيني المغري الذي تضمن تمويل 75% من التكلفة عبر بنك التنمية الصيني (China Development Bank) دون تحميل الحكومة الإندونيسية ديونًا مباشرة.
لكن بعد الأزمة الحالية، بدأ خبراء النقل في جاكرتا وطوكيو يتحدثون عن “رهان خاطئ” على التمويل الصيني، خصوصًا مع تضخم الديون وصعوبة تحقيق الأرباح.

حكومة برابوو سوبيانتو تواجه تركة مالية ثقيلة
بعد توليه الحكم في 2024، وجد الرئيس برابوو سوبيانتو (Prabowo Subianto) نفسه أمام ملف اقتصادي حساس تركته إدارة ويدودو.
الحكومة الجديدة تحاول إعادة التفاوض مع الصين لتخفيف عبء الديون، وسط تحذيرات من مسؤولي KAI الذين وصفوا الوضع بأنه “قنبلة موقوتة”.
مصادر حكومية أكدت أن جاكرتا تدرس خيارات إعادة جدولة السداد أو تمديد القروض لتجنب انهيار المشروع الذي ما زال يمثل رمزًا سياسيًا واقتصاديًا للعلاقات مع بكين.
خطط التوسع نحو سورابايا تتوقف بسبب العجز
كانت الخطة الأصلية تقضي بتمديد خط القطار السريع من باندونغ إلى سورابايا بطول يتجاوز 500 كيلومتر، لربط مدن جزيرة جاوة بشبكة نقل موحدة تقلل الاعتماد على الطيران الداخلي.
لكن المشروع الإضافي جُمّد مؤقتًا بسبب تفاقم العجز المالي. وصرّح مسؤولون بأن الحكومة لن تستأنف التوسع إلا بعد استقرار الأوضاع المالية لشركة KCIC.
انعكاسات الأزمة على مبادرة الحزام والطريق في آسيا
تتابع دول مثل فيتنام وماليزيا والفلبين تطورات الأزمة بقلق، إذ تنفذ الصين مشروعات مشابهة هناك ضمن مبادرة الحزام والطريق.
ويرى محللون أن فشل التجربة الإندونيسية قد يضعف ثقة الشركاء الآسيويين في التمويل الصيني، في حين تستعد اليابان لاقتناص الفرصة من خلال ترويج نظام شينكانسن عالي الاعتمادية كبديل أكثر أمانًا واستدامة.
دروس التجربة الإندونيسية بين الطموح والواقع
يرى خبراء اقتصاديون أن تجربة القطار السريع في إندونيسيا تقدم درسًا للدول النامية حول مخاطر الاعتماد على القروض الأجنبية دون خطط تشغيل واقعية. المشروع الذي بدأ كرمز للحداثة تحول اليوم إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة مشروع الحزام والطريق على تحقيق التنمية دون أن يغرق الدول في الديون.




