خارطة طريق عالمية جديدة لحماية التنوع الميكروبي تحت مظلة الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة
خارطة طريق عالمية لإطلاق القائمة الحمراء الميكروبية بحلول عام 2027
ملخص
في مبادرة علمية جديدة نُشرت في مجلة Sustainable Microbiology، يقود البروفيسور جاك غيلبرت تحت مظلة الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة أول خارطة طريق عالمية لحماية التنوع الميكروبي عبر مجموعة المتخصصين في حفظ التنوع الميكروبي. تجمع المبادرة خبراء من أكثر من 30 دولة لدمج حفظ الميكروبات في معايير القائمة الحمراء الميكروبية، ورسم خرائط للنقاط الساخنة الميكروبية، وربط البنوك الحيوية عالميًا، مع اختبار حلول ميكروبية للمناخ والغذاء والصحة، تمهيدًا لإدماج المؤشرات الميكروبية في أهداف التنوع الحيوي والصحة الكوكبية بحلول عام 2030.

تحالف دولي لحماية "التسعة والتسعين في المئة غير المرئية"
رغم أن الميكروبات تشكل الغالبية الساحقة من أشكال الحياة على كوكبنا، وغالبًا ما يُشار إليها باعتبارها "التسعة والتسعين في المئة غير المرئية من الحياة"، فإنها نادرًا ما تحظى بمكان واضح في سياسات حماية الطبيعة. هذه الفجوة الكبيرة بين أهميتها الحقيقية وحضورها في سياسات الحفظ دفعت فريقًا دوليًا من الباحثين إلى خطوة غير مسبوقة: وضع أول خارطة طريق شاملة لحماية التنوع الميكروبي. تفاصيل هذه الخطوة عُرضت في مقال علمي بعنوان "Safeguarding Microbial Biodiversity: Microbial Conservation Specialist Group (MCSG) within the Species Survival Commission of the International Union for Conservation of Nature (IUCN)" نُشر في مجلة Sustainable Microbiology الصادرة عن AMI.
هذا الجهد يقوده البروفيسور جاك غيلبرت (Jack Gilbert)، رئيس منظمة Applied Microbiology International، الذي عمل على مدى العامين الماضيين على جمع خبراء من تخصصات مختلفة حول هدف واحد: أن تصبح الميكروبات جزءًا صريحًا من أجندة الحفظ العالمية، لا مجرد موضوع لأبحاث مخبرية متخصصة.
تأسيس مجموعة متخصصة داخل الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة
في يوليو 2025، أعلن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (International Union for Conservation of Nature - IUCN) رسميًا إنشاء مجموعة المتخصصين في حفظ التنوع الميكروبي (Microbial Conservation Specialist Group - MCSG) ضمن لجنة بقاء الأنواع (Species Survival Commission). يتشارك في رئاسة هذه المجموعة البروفيسور غيلبرت والعالمة راكيل بييشوتو (Raquel Peixoto) من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST) ومنظمة ISME، في شراكة تعكس الطابع الدولي للمبادرة.
جاء تأسيس المجموعة بعد ورشة عمل قادها غيلبرت في مايو، جمعت خبراء في حفظ الطبيعة مع علماء الأحياء الدقيقة (microbiologists). في تلك الورشة طُرح سؤال محوري: كيف يمكن تكييف أهداف الحفظ التقليدية، التي وُضعت أساسًا للنباتات والحيوانات، مع عالم تحركه عمليًا العمليات الميكروبية في التربة والمحيطات وأجساد الكائنات الحية؟
يقول غيلبرت إن هذه هي أول ائتلاف عالمي مكرَّس لحماية التنوع الميكروبي، بهدف ضمان الاعتراف بالميكروبات باعتبارها عنصرًا أساسيًا في النظم البيئية والمناخية والصحية على مستوى الكوكب. ويرى أن هذا النهج يعيد صياغة مفهوم الحفظ من "إنقاذ أنواع فردية" إلى "الحفاظ على الشبكات غير المرئية للحياة التي تجعل الحياة المرئية ممكنة"، في ما يشبه انتقالًا نحو رؤية شاملة لمفهوم الصحة الكوكبية.

التنوع الميكروبي.. أساس خفي لصحة الكوكب
الميكروبات ليست مجرد كائنات مجهرية تدور حولها حكايات عن الأمراض، بل هي محور أساسي في خصوبة التربة، ودورة الكربون، وإنتاجية البحار، وصحة النباتات والحيوانات. ورغم هذا الدور الجوهري، نادرًا ما تظهر هذه الكائنات في وثائق السياسات أو خطط حماية التنوع الحيوي.
يشير غيلبرت إلى أن تجاهل التنوع الميكروبي ينعكس مباشرة على قدرة النظم البيئية على الصمود أمام التغير المناخي، وعلى الأمن الغذائي، وعلى نجاح برامج استعادة الأنظمة البيئية المتدهورة. ومن هذا المنطلق، تسعى مجموعة MCSG إلى إدماج علم الأحياء الدقيقة مباشرة في آليات الحفظ التابعة للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، من خلال توظيف معايير القائمة الحمراء، وتقييم النظم البيئية، وبرامج الاستعادة، بحيث تصبح الميكروبات مرئية في السياسات، لا في الأبحاث العلمية فقط.
شبكة عالمية وخارطة طريق لحفظ الميكروبات
خلال العامين الماضيين، بدأ الأعضاء المؤسسون في بناء شبكة دولية تضم علماء أحياء دقيقة، وعلماء بيئة، وخبراء قانون، وحَمَلة المعرفة التقليدية من المجتمعات الأصلية، ينتمون إلى أكثر من ثلاثين دولة. هذا التنوع في الخلفيات العلمية والثقافية أتاح للفريق صياغة أول خارطة طريق عالمية لحفظ التنوع الميكروبي، مستندة إلى دورة حفظ الأنواع المعتمدة لدى الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة.
تتضمن هذه الخارطة عناصر تقييم تهدف إلى تطوير مقاييس تتوافق مع معايير القائمة الحمراء، لكن مع التركيز على المجتمعات الميكروبية والبنوك الحيوية التي تحفظ العينات. وفي جانب التخطيط، تدعو الخارطة إلى إنشاء أطر أخلاقية واقتصادية واضحة للتدخلات الميكروبية، بما يضمن استخدام الميكروبات في ترميم النظم البيئية دون الإضرار بالمجتمعات المحلية أو بالبيئة على المدى الطويل.
أما في جانب العمل الميداني، فتشجع الخارطة على إطلاق مشروعات تجريبية تستند إلى حلول ميكروبية، مثل البروبيوتيك المرجانية لدعم صحة الشعاب المرجانية، وميكروبيومات التربة الغنية بالكربون، واستخدام المجتمعات الميكروبية لدعم الحيوانات البرية في مواجهة الأمراض. وعلى مستوى الربط بين الأطراف المختلفة، تسعى المجموعة إلى وصل العلماء والمجموعات المرجعية للعينات الميكروبية وحَمَلة المعرفة التقليدية من الشعوب الأصلية في شبكة واحدة تتبادل الخبرة والمعرفة بشكل متوازن ومحترم.
في ميدان التواصل والسياسات، تخطط المجموعة لإطلاق حملات موجهة للجمهور وصناع القرار، من بينها حملة تحمل شعار "Invisible but Indispensable"، أي "غير مرئية لكنها لا غنى عنها"، لتأكيد أن هذه الكائنات الدقيقة تشكل أساسًا حقيقيًا للحياة كما نعرفها. ويحظى العمل في هذه المرحلة الأولى بدعم من مؤسسة Gordon & Betty Moore Foundation، إضافة إلى دعم عيني من AMI و ISME، مع تركيز كبير على رسم خرائط "النقاط الساخنة" للتنوع الميكروبي، وبناء مؤشرات للحفظ، وربط البنوك الحيوية الميكروبية القائمة في أرشيف عالمي منسق.
تحديات علمية وأخلاقية في عالم لا يُرى بالعين
وضع إطار لحفظ كائنات لا تُرى بالعين المجردة لا يمكن أن يكون مهمة سهلة. يوضح غيلبرت أن العمل يواجه عقبات علمية ومفاهيمية تبدأ من سؤال أساسي: ما الذي يُعد "نوعًا ميكروبيًا" في منظومة معايير القائمة الحمراء التي صُممت أساسًا للنباتات والحيوانات؟
يتطلب الأمر دمج معلومات جينومية وبيئية في أنظمة تقييم بُنيت على مفهوم تقليدي للأنواع المستقرة، بينما تعيش المجتمعات الميكروبية حالة تغير دائم. ويزداد الأمر تعقيدًا حين نواجه الاعتقاد الشائع بأن الميكروبات "مرنة للغاية" أو "معقدة أكثر من أن تُحمى"، وهو اعتقاد قد يُستخدم لتقليل أهمية وضع برامج متخصصة لحمايتها.
تشير الدراسة إلى أن حفظ التنوع الميكروبي يواجه تنوعًا غير مرئي هائلًا، وبنى مجتمعية ديناميكية تتغير بسرعة، ما يجعل المفاهيم التقليدية للأنواع غير كافية. فعدم استقرار التصنيف، وغياب سجلات طويلة الأمد، والحاجة إلى التعامل الأخلاقي مع العينات الميكروبية، خصوصًا تلك المرتبطة بالبشر أو بالمجتمعات الأصلية، كلها عوامل تدفع نحو إعادة التفكير في مفاهيم مثل "الفقد" و"الاستعادة" و"حقوق الميكروبات".
ورغم هذه التحديات، يصف غيلبرت اعتماد مجموعة MCSG رسميًا من قبل الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة بأنه محطة مفصلية، إذ يعني عمليًا أن حماية الميكروبات أصبحت جزءًا معلنًا من أجندة الحفظ العالمية للمرة الأولى.

من القائمة الحمراء الميكروبية إلى أهداف التنوع الحيوي
تنظر المجموعة الآن إلى المرحلة التالية بوصفها فرصة لتحويل الأفكار إلى أدوات عملية. من بين الأهداف الواضحة تطوير أول إطار لـ "القائمة الحمراء الميكروبية" بحلول عام 2027، بحيث يصبح من الممكن تقييم مخاطر الانقراض أو التدهور التي تواجه المجتمعات الميكروبية بطريقة قابلة للمقارنة مع الأنواع الأخرى.
كما تخطط المجموعة لإنشاء خرائط عالمية توضح المناطق الغنية بالتنوع الميكروبي في التربة والبيئات البحرية والأنظمة المرتبطة بالكائنات المضيفة، مثل الإنسان والحيوانات والنباتات. وفي السياق نفسه، ستُختبر استراتيجيات حفظ جديدة تعتمد على حلول ميكروبية، مثل المعالجة الحيوية باستخدام الميكروبات للتقليل من التلوث، ودعم صحة الشعاب المرجانية، واستعادة الكربون في التربة. الهدف الأوسع هو ضمان إدماج المؤشرات الميكروبية إلى جانب النباتات والحيوانات في أهداف التنوع الحيوي المعتمدة لدى الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة والأمم المتحدة بحلول عام 2030.
شروط النجاح الطويل الأمد لحفظ الحياة الميكروبية
توضح خارطة الطريق أن النجاح على المدى البعيد لن يتحقق من دون استثمارات مستمرة لتوسيع شبكات الرصد الميكروبي حول العالم، بحيث لا تبقى البيانات مركزة في دول أو نظم بيئية بعينها. كما يشدد القائمون على المبادرة على ضرورة دمج الميكروبات في الاستراتيجيات الوطنية للتنوع الحيوي والمناخ، بما في ذلك مبادرات "30 by 30" التي تهدف إلى حماية ثلاثين في المئة من الكوكب بحلول عام 2030، وسياسات "One Health" التي تقدم مقاربة تربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة في إطار واحد.
وترى المجموعة أن بناء "ثقافة عامة ميكروبية" أو وعي مجتمعي بدور الميكروبات يمثل شرطًا لا غنى عنه، إذ يصعب حماية ما لا نراه أو لا ندرك قيمته. لذلك تسعى المبادرة إلى تعزيز فهم الجمهور للميكروبات بوصفها أساس النظم البيئية وصحة الإنسان، لا مجرد مصدر للأمراض. كما تشدد خارطة الطريق على أهمية الاستفادة من أدوات "التوأم الرقمي" digital twin، أي النماذج الرقمية التي تحاكي النظم البيئية الحقيقية، ومن تقنيات الذكاء الاصطناعي، للتنبؤ بكيفية استجابة المجتمعات الميكروبية للتغيرات البيئية، بما يسمح بالتخطيط المسبق لجهود الحفظ والاستعادة قبل وقوع الأضرار.
بهذا النهج المتدرج، تحاول المبادرة أن تمنح الكائنات المجهرية موقعها المستحق في قرارات الحفظ العالمية، باعتبارها شريكًا خفيًا لكنه حاسم في مستقبل المناخ والغذاء والصحة على كوكب الأرض، وفي حماية التنوع الميكروبي كجزء لا يتجزأ من الصحة الكوكبية.




