الميكروبات كعلاج: جهود جديدة لاكتشاف أدوية من الكائنات الدقيقة
“تقدم فريق بحثي من معهد هيلمهولتز للأبحاث الصيدلانية وجامعة سارلاند خطوة كبيرة في فهم الميكروبيوم، حيث كشفت دراسة حديثة عن بكتيريا جديدة قد تسهم في تطوير استراتيجيات علاجية مبتكرة، مما يفتح آفاقًا جديدة في عالم الطب.”
أجرى فريق من معهد هيلمهولتز للأبحاث الصيدلانية وجامعة سارلاند دراسة شاملة حول الميكروبيوم، الذي يمثل مجموع الكائنات الدقيقة الموجودة في الجسم. نُشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة Nature Communications، حيث تم تحديد العوامل الأساسية التي يمكن أن تسهم في تطوير استراتيجيات جديدة لعلاج الأمراض. استخدم الباحثون تقنية تسلسل الميتاجينوم لتحديد الكائنات الحية الموجودة في العينات وتحليل سلوكها، مما أدى إلى اكتشاف بكتيريا جديدة قد تحمل إمكانيات علاجية. في المرحلة الحالية، يعمل الفريق على تحويل هذه الاكتشافات إلى منتجات طبيعية قابلة للاستخدام في العلاجات الطبية، مما يشير إلى مستقبل واعد في استخدام الميكروبات كعوامل علاجية فعالة.

“الميكروبيوم: سر الحياة الدقيقة وتأثيره على صحة الثدييات”
تعتبر الكائنات الحية الدقيقة جزءًا أساسيًا من بيئة الثدييات، إذ لا تقتصر على الاستعمار خلال حالات العدوى، بل تتواجد بمليارات النسخ على وداخل أجسام البشر والحيوانات السليمة في جميع الأوقات. تتواصل هذه الميكروبات مع بعضها عبر إشارات كيميائية، مما يؤثر بشكل كبير على صحة المستضيفين. في إطار دراستين منفصلتين، تعاون فريق بحثي من معهد هيلمهولتز للأبحاث الصيدلانية في سارلاند (HIPS) مع جامعة سارلاند ومستشفى جامعة سارلاند لإجراء دراسة شاملة حول الميكروبيوم، الذي يمثل مجموع جميع الكائنات الدقيقة في الجسم. تهدف هذه الدراسة إلى تحديد العوامل الأساسية التي تساهم في تطوير استراتيجيات جديدة لعلاج وتشخيص الأمراض.
نشر النتائج:
نُشرت نتائج هذه الأبحاث في مقالتين علميتين ضمن مجلة Nature Communications، حيث يُعتبر معهد هيلمهولتز للأبحاث الصيدلانية (HIPS) جزءًا من مركز هيلمهولتز لأبحاث العدوى (HZI)، بالتعاون مع جامعة سارلاند.
اكتشاف مكونات علاجية جديدة من الكائنات الدقيقة:
فكرة استخدام الكائنات الحية الدقيقة لاكتشاف مواد فعالة جديدة ليست بجديدة؛ فقد تم تطوير العديد من الأدوية المعتمدة على المنتجات الطبيعية المستخرجة من الكائنات الدقيقة مثل البكتيريا والفطريات. تتنافس هذه الكائنات فيما بينها على الموارد الطبيعية في التربة، وتستخدم إشارات كيميائية لتعزيز تفوقها. لذلك، ليس من المستغرب أن تستند نسبة كبيرة من المضادات الحيوية الحالية إلى منتجات طبيعية مستخرجة من هذه الكائنات.
يهدف الفريق البحثي في HIPS وجامعة ومستشفى سارلاند إلى اكتشاف منتجات طبيعية يمكن استخدامها لعلاج الأمراض غير المعدية. بدلاً من البحث في التربة، يركز الباحثون على البكتيريا التي تعيش في أجسام البشر والحيوانات والتي قد تلعب دورًا في تطور الأمراض. يُعتبر هذا النهج جزءًا من مشروع “nextAID³”، الذي حصل على تقييم إيجابي من مؤسسة الأبحاث الألمانية (DFG)، مع خطة لتقديم الاقتراح النهائي في أغسطس 2024.
دراسة الميكروبيوم لدى البشر والحيوانات:
أُجري البحث على مجموعتين من العينات. في الدراسة الأولى، المعروفة باسم “IMAGINE”، تم جمع حوالي 2000 عينة من أشخاص أصحاء وآخرين مصابين بأمراض مختلفة. نظرًا لتأثر أجزاء متعددة من الميكروبيوم بأمراض متنوعة، قام الباحثون بفحص الميكروبيوم في مواقع عدة مثل اللعاب، البلاك السني، البراز، العين، الحلق، والجلد. أما في الدراسة الثانية، فقد تم فحص الميكروبيوم للحيوانات في حديقة حيوان سارلاند، وتمت مقارنته مع الميكروبيوم لدى الحيوانات البرية. وكان الهدف من هذه الدراسة الأصغر هو إظهار أن ميكروبيوم الحيوانات قد يكون مصدرًا محتملاً لاكتشاف منتجات طبيعية جديدة.
تسلسل الميتاجينوم:
تمت معالجة العينات باستخدام تقنية تسلسل الميتاجينوم، وهي تقنية تتيح تحديد جميع الكائنات الحية الموجودة في العينات، بالإضافة إلى متابعة وفرتها. على سبيل المثال، إذا كانت بعض البكتيريا أكثر أو أقل وفرة عند وجود مرض معين، فقد يشير ذلك إلى دورها المحتمل في تطور المرض أو تقدمه.
اكتشافات جديدة في عالم الميكروبيوم:
تمكن الفريق البحثي، الذي يضم علماء بارزين مثل أندرياس كيلر وسورين بيكر وروبرت بالس ورولف مولر، من اكتشاف بكتيريا تُظهر سلوكًا مميزًا. من خلال استخدام التحليل المعلوماتي الحيوي، استطاع الباحثون تحديد المخططات الجينية التي قد ترتبط بمنتجات طبيعية جديدة تؤثر على الأمراض التي تم دراستها.
وقال أندرياس كيلر، رئيس قسم في معهد HIPS وأستاذ المعلوماتية الحيوية السريرية بجامعة سارلاند: “تمثل هذه البيانات ثروة علمية. ما زلنا لا نعرف الكثير عن المنتجات الطبيعية التي ترمز لها معظم العناقيد الجينية التي اكتشفناها”. وأشار إلى أن البيانات تم تخزينها في قاعدة بيانات جديدة تُدعى ABC-HuMi، والتي تحتوي على معلومات شاملة حول الميكروبيوم البشري. ستتيح هذه البيانات اكتشاف العديد من المنتجات الطبيعية الجديدة التي يمكن استخدامها كأساس لتطوير الأدوية.
التحديات المستقبلية:
يعمل حاليًا الصيادلة وعلماء الأحياء والكيميائيون في معهد HIPS على تحويل البيانات الرقمية إلى منتجات طبيعية فعلية. يتولى الفريق اختبار 50 مجموعة جينية واعدة تم اكتشافها. وفي هذا السياق، يوضح البروفيسور رولف مولر، المدير العلمي في HIPS، قائلاً: “معرفة المخطط الجيني للمنتج الطبيعي هي الخطوة الأولى فقط. نحن الآن نعمل على إنتاج المنتجات الطبيعية بناءً على هذه المخططات.”
التطبيقات الطبية المستقبلية:
على الرغم من أن الأبحاث في HIPS تركز حاليًا على تطوير عوامل مضادة للميكروبات، فإن منصة PharmaScienceHub، التي تم تأسيسها بالشراكة بين HIPS وجامعة سارلاند، تهدف إلى تسريع تحويل الاكتشافات العلمية الأساسية إلى تطبيقات طبية قابلة للاستخدام لعلاج الأمراض غير المعدية.




