رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
02:58 م calendar السبت 18 يوليو 2026

حرائق شقق هونغ كونغ تحوّل مجمع وانغ فوك كورت إلى مسرح تحقيق جنائي كبير

اعتقال ثلاثة مسؤولين في شركة مقاولات بعد حريق ضخم في حي تاي بو أسفر عن عشرات القتلى ومئات المفقودين وإجلاء مئات السكان إلى مراكز إيواء مؤقتة.

خدمات الإطفاء في
خدمات الإطفاء في هونغ كونغ تواجه حريقاً من أعلى مستوى إنذار - Illustration

    ملخص

    هونغ كونغ تواجه تبعات حريق ضخم اندلع في مجمع وانغ فوك كورت السكني وأسفر عن مقتل ما لا يقل عن 44 شخصاً، في الحادث الأكثر فتكاً بالمدينة منذ أكثر من ستين عاماً. السلطات أعلنت فقدان أكثر من 270 شخصاً، بينما نقل عشرات المصابين إلى المستشفيات، بينهم 45 في حالة حرجة. رجال الإطفاء وفرق الشرطة والإسعاف انتشروا بأعداد كبيرة لاحتواء النيران وإجلاء السكان، وجرى فتح مراكز إيواء مؤقتة وخط ساخن لمتابعة أوضاع الضحايا والمفقودين. في الوقت نفسه، بدأت تحقيقات جنائية وفنية بعد توقيف ثلاثة مسؤولين في شركة مقاولات، مع التركيز على مواد البناء وسقالات البامبو المحيطة بالأبراج.

    حرائق شقق وانغ فوك كورت في حي تاي بو - Illustration
    حرائق شقق وانغ فوك كورت في حي تاي بو - Illustration

    تحقيق جنائي واتهامات بالإهمال الجسيم

     

    المرحلة الأولى من التعامل مع ما جرى في وانغ فوك كورت لم تقتصر على الإطفاء والإجلاء، بل امتدت سريعاً إلى فتح تحقيق جنائي. شرطة هونغ كونغ أعلنت توقيف ثلاثة رجال تتراوح أعمارهم بين 52 و68 عاماً، بشبهة القتل غير العمد على خلفية الحريق. اثنان من الموقوفين يعملان مديرين في شركة إنشاءات مسؤولة عن أعمال التجديد في الأبراج، بينما الثالث مستشار هندسي.

    التحقيقات الميدانية رصدت وجود شبك ومواد حماية خارجية على واجهات المباني لا تبدو مقاومة للنيران، إضافة إلى استخدام ألواح من الفلين الصناعي (ستايروفوم) لتغطية النوافذ. متحدث باسم الشرطة قال إن المحققين ينظرون في الأفعال أو الإخفاقات المنسوبة إلى مسؤولي الشركة، مضيفاً: «لدينا سبب يدفعنا للاعتقاد بأن المسؤولين في الشركة كانوا مهملين بدرجة جسيمة، وهو ما أدى إلى هذا الحادث وجعل الحريق ينتشر بلا سيطرة، متسبباً في خسائر بشرية كبيرة». ومع ذلك، شدد على أن السبب المباشر لاندلاع الحريق ما زال غير معروف وأن التحقيق مستمر.

    مجمع وانغ فوك كورت وطبيعة الأبراج السكنية

     

    مجمع وانغ فوك كورت، الذي أصبح محور هذه الحرائق، يقع في حي تاي بو في الجزء الشمالي من هونغ كونغ، بالقرب من مدينة شنتشن على البر الصيني الرئيسي. الحريق اندلع داخله عند الساعة 14:51 بالتوقيت المحلي يوم الأربعاء، أي 06:51 بتوقيت غرينتش.

    المجمع مكوَّن من ثمانية أبراج سكنية، يبلغ ارتفاع كل واحد منها 31 طابقاً. بحسب تعداد حكومي لعام 2021، تضم هذه الأبراج 1,984 شقة يقيم فيها حوالي 4,600 ساكن. عضوة مجلس الحي موي سيو فونغ أوضحت أن سبعة من الأبراج الثمانية تأثرت بدرجات متفاوتة من الحريق.

    الأبراج بُنيت عام 1983 وكانت تخضع في الفترة الأخيرة لأعمال تجديد، حيث غطت سقالات من البامبو وشبكات حماية واجهات المباني. لقطات مصورة من الموقع أظهرت النيران وهي تمتد بسرعة عبر هذه السقالات، بينما تصاعدت أعمدة كثيفة من الدخان غطّت أفق المنطقة. وفي شهادات نقلتها بعض وسائل الإعلام المحلية، تحدث سكان عن عدم سماعهم لصافرات إنذار الحريق في بعض المباني، دون صدور تأكيد رسمي بعد حول أداء أنظمة الإنذار.

    تسلسل الحريق ومستوى الإنذار واستجابة خدمات الإطفاء

     

    بعد الإبلاغ عن اندلاع الحريق في وانغ فوك كورت، تحركت خدمات الإطفاء في هونغ كونغ على مراحل. خلال نحو أربعين دقيقة من البلاغ الأول، رُفع تصنيف الحريق إلى مستوى إنذار رابع، ثم عند الساعة 18:22 تقريباً تقرر رفعه مجدداً إلى مستوى إنذار خامس، وهو أعلى مستوى للحرائق في النظام المعتمد بالمدينة. وتعد هذه أول مرة منذ 17 عاماً يسجل فيها حريق من هذا المستوى.

    نائب مدير خدمات الإطفاء ديريك أرمسترونغ تشان شرح للصحافة أن حرارة الحريق كانت شديدة إلى درجة أعاقت دخول فرق الإطفاء إلى أجزاء من الأبراج للقيام بعمليات إنقاذ، مشيراً إلى أن خراطيم المياه لم تكن قادرة بسهولة على بلوغ الطوابق العليا. وأضاف: «الحطام وسقالات المبنى المتضرر يسقطان، ما يشكل خطراً إضافياً على أفرادنا في الخطوط الأمامية». كما تحدّثت تقارير محلية عن سماع دوي انفجارات من داخل الأبراج وصعوبة وصول بعض المعدات إلى المستويات المرتفعة.

    السلطات ذكرت أن أكثر من 760 رجل إطفاء نُشروا في البداية للتعامل مع الحريق، قبل أن يرتفع العدد إلى 767 من عناصر خدمات الإطفاء، مدعومين بـ 128 سيارة إطفاء و57 سيارة إسعاف ونحو 400 من أفراد الشرطة. ورغم هذه الاستجابة الواسعة، استمر الحريق في الاشتعال لساعات بعد بدءه.

    أحد أعنف حرائق الشقق في تاريخ هونغ كونغ - Illustration
    أحد أعنف حرائق الشقق في تاريخ هونغ كونغ - Illustration

    الضحايا، المفقودون ورجل الإطفاء الراحل

     

    من ناحية الخسائر البشرية، تحولت حرائق شقق وانغ فوك كورت إلى أكثر حرائق هونغ كونغ فتكاً منذ أكثر من ستين عاماً. في المراحل الأولى، أُعلن عن مقتل 13 شخصاً، ثم ارتفع العدد إلى 36، قبل أن تشير البيانات الرسمية في وقت مبكر من صباح الخميس إلى 40 وفاة. وفي تحديث لاحق، أكدت السلطات أن عدد القتلى بلغ ما لا يقل عن 44 شخصاً.

    السلطات الصحية قالت إن 45 مصاباً في حالة حرجة يتلقون العلاج في المستشفيات. كما صرّح رئيس السلطة التنفيذية في هونغ كونغ جون لي بعد منتصف الليل بأن 279 شخصاً ما زالوا مفقودين. التقارير الأولية تحدثت عن أكثر من 270 مفقوداً، بينما بدأ أفراد الشرطة في استخدام مكبرات الصوت في المناطق المحيطة بالمجمع السكني لمساعدة السكان على البحث عن ذويهم أو الإبلاغ عن حالات فقدان.

    الخسائر شملت أيضاً فرق الطوارئ. خدمات الإطفاء أعلنت وفاة الإطفائي هو واي هو، البالغ من العمر 37 عاماً، والذي خدم في محطة شا تين للإطفاء لمدة تسع سنوات. قالت الهيئة إنها فقدت الاتصال به عند الساعة 15:30 تقريباً، ثم عُثر عليه بعد نحو نصف ساعة وقد انهار داخل المبنى. نُقل إلى المستشفى لكن الأطباء أعلنوا وفاته. مدير خدمات الإطفاء أندي يونغ قال: «أنا حزين بشدة على فقدان هذا الإطفائي المخلص والشجاع». كما أفادت الخدمات بأن إطفائياً آخر على الأقل ما زال يتلقى العلاج.

    إجلاء مئات السكان وفتح مراكز إيواء وخط ساخن

     

    مع اتساع نطاق الحريق واضطرار السكان إلى مغادرة منازلهم، فتحت حكومة هونغ كونغ عدة مراكز إيواء مؤقتة لسكان حي تاي بو. تقارير إعلامية ذكرت أن مركز تونغ تشيونغ ستريت الرياضي امتلأ سريعاً، ما دفع السلطات إلى توجيه الأسر المتبقية إلى مراكز أخرى. قاعة مجتمع كوونغ فوك، الواقعة على مقربة مباشرة من مجمع وانغ فوك كورت، اعتُبرت غير آمنة بسبب قربها من الأبراج المتضررة، فنُقل من كانوا فيها إلى منشآت أبعد.

    مراسلة القسم الصيني في هيئة الإذاعة البريطانية جيميني تشينغ شاهدت عدداً من كبار السن يصلون إلى بعض هذه المراكز، بعضهم يستخدمون عصي المشي أو الكراسي المتحركة. ونُقل عن السلطات أن حافلات خاصة ستتولى نقل هؤلاء إلى قاعات مجتمعية ستظل مفتوحة طوال الليل لاستقبال النازحين. جون لي قال إن ما لا يقل عن 900 شخص يقيمون حالياً في هذه المرافق المؤقتة.

    وزارة التعليم أعلنت إغلاق ست مدارس في حي تاي بو يوم الخميس، ونشرت قائمة المدارس المتأثرة على موقعها الإلكتروني. في موازاة ذلك، أوضح وزير الأمن تانغ بينغ كيونغ أن مركزاً خاصاً للمراقبة والدعم الطارئ بدأ العمل لإدارة آثار الحريق. شرطة هونغ كونغ خصصت أيضاً خطاً هاتفياً للاستعلام عن الضحايا والمفقودين، وحددت الرقم على أنه‎+852 1878 999، ليتمكن المواطنون من الحصول على معلومات أو تقديم بلاغات عن أقاربهم.

    العوامل الفنية وراء سرعة انتشار النيران

     

    إلى جانب التحقيق الجنائي في أدوار شركة المقاولات، يجري تحقيق فني في العوامل التي أدت إلى انتشار النيران بهذه السرعة في وانغ فوك كورت. وزير الأمن في هونغ كونغ قال في بيان مبكر يوم الخميس إن نتائج التحقيق الأولي تشير إلى أن سرعة انتشار الحريق كانت غير اعتيادية. وأوضح أن من بين العوامل المحتملة استخدام مادة البوليستيرين حول النوافذ، وهي مادة يمكن أن تكون شديدة الاشتعال.

    سقالات البامبو وشبكات الحماية التي غطت واجهات الأبراج بسبب أعمال التجديد ساعدت أيضاً على انتقال اللهب بين الطوابق، كما أظهرت المقاطع المصورة. ورغم هذه المؤشرات، تؤكد السلطات أن السبب الأساسي لاندلاع الحريق ما زال غير معروف وأن العمل مستمر لتحديد نقطة البداية وكيفية تحول الحريق إلى أحد أعنف حرائق الشقق في تاريخ هونغ كونغ الحديث.

    تم نسخ الرابط