رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
02:48 م calendar السبت 18 يوليو 2026

لماذا ترتفع حرائق الغابات قرب البشر رغم انخفاض المساحات المحترقة؟

أفريقيا في صدارة التعرّض لحرائق الغابات، وكاليفورنيا ضمن أكثر المناطق خطرًا رغم صغر المساحات المحترقة

مفارقة حرائق الغابات
مفارقة حرائق الغابات عالميًا: تراجع النيران وزيادة الخطر على البشر - illustration

    حرائق الغابات أقل انتشارًا؟ نعم… لكن التأثير على البشر أكبر بكثير مما تتخيل، خاصة في إفريقيا وكاليفورنيا

    في دراسة دولية نشرت في مجلة Science، اكتشف باحثون من جامعة كاليفورنيا مفارقة بيئية غير متوقعة: انخفاض المساحات المحترقة من حرائق الغابات عالميًا بنسبة 26٪ بين عامي 2002 و2021، بالتزامن مع ارتفاع التعرّض البشري بنسبة 40٪. هذا التناقض يرتبط بتوسّع العمران في المناطق القابلة للاشتعال، خاصة في إفريقيا التي شهدت 85٪ من هذه الحالات. كما تؤكد الدراسة على دور تغيّر المناخ في تضخيم "طقس الحرائق"، ما يتطلب سياسات وقائية تشمل الحرق الموصوف، وتعديل التخطيط العمراني لتقليل المخاطر على المجتمعات السكنية.


    تغيّر المناخ يزيد "طقس الحرائق" ويدفع النيران نحو المدن
    إفريقيا تتصدر العالم في التعرّض البشري لحرائق الغابات - illustration

    مفارقة عالمية في حرائق الغابات: تراجع المساحات المحترقة مقابل تصاعد الأثر على البشر

     

    تكشف دراسة منشورة في مجلة  Science  قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا في إيرفاين (University of California, Irvine) ومؤسسات شريكة عن مفارقة لافتة في اتجاهات حرائق الغابات عالميًا. فبين عامي 2002 و2021 انخفضت المساحة الإجمالية المحترقة بنسبة 26 في المئة، بينما ارتفعت حالات التعرّض البشري لحرائق الغابات بنحو 40 في المئة. ويشير الباحثون إلى أن هذه الزيادة ترتبط أساسًا بالنمو السكاني والهجرة إلى مناظر طبيعية شديدة القابلية للاشتعال، مع دور متزايد لتغيّر المناخ في تضخيم طقس الحرائق».

    26% انخفاض في المساحة المحترقة يقابله 40% زيادة في حالات التعرّض البشري

     

    توضح الدراسة أن التناقض بين التراجع في المساحات المحترقة والارتفاع في الأثر البشري لا يعكس زيادة عامة في نشاط حرائق الغابات، بل يعكس اتساع التداخل بين العمران والمناطق القابلة للاشتعال. فالانتقال البشري نحو أطراف المدن والاختلاط المتزايد مع الغابات والشجيرات يرفع احتمالات اقتراب النيران من المساكن حتى مع بقاء المساحات المحترقة على مسار تنازلي.

    إفريقيا تتصدر التعرّض البشري لحرائق الغابات بنسبة 85%

     

    على خلاف الصورة التي ترسمها العناوين الغربية، وقعت 85 في المئة من حالات التعرّض البشري لحرائق الغابات في القارة الإفريقية خلال الفترة المدروسة. خمس دول في إفريقيا الوسطى هي جمهورية الكونغو وجنوب السودان وموزمبيق وزامبيا وأنغولا شكّلت مجتمعة نصف التعرض العالمي. في المقابل لم تتجاوز مساهمة الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا مجتمعة 2.5 في المئة، ما يفرض إعادة توجيه الموارد نحو المناطق الأكثر تعرضًا.

    كاليفورنيا بؤرة حرائق الغابات الشديدة داخل الولايات المتحدة

     

    يؤكد مجتبى صادق (Mojtaba Sadegh)، المؤلف الكبير للدراسة وأستاذ الهندسة المدنية في جامعة بويزي ستيت (Boise State University)، أن غرب الولايات المتحدة، وبخاصة كاليفورنيا، يُعد من النقاط الساخنة عالميًا لحرائق الغابات الشديدة. وتُظهر أعمال سابقة للفريق أن كاليفورنيا تستحوذ على 72 في المئة من حالات التعرّض البشري لحرائق الغابات في الولايات المتحدة رغم أنها لا تمثل إلا 15 في المئة من المساحة المحترقة. كما تضاعفت أربع مرات ظروف الطقس المهيئة لحرائق شديدة التأثير بين 1990 و2022، مع أمثلة بارزة على حرائق لوس أنجلوس الكبرى.

    الحرق الموصوف وتقليل الوقود النباتي لتقليل خطر النيران
    440 مليون شخص تعرضوا لحرائق الغابات خلال عقدين فقط - illustration

    440 مليون شخص تعرّضوا لحرائق الغابات بين 2002 و2021

     

    استند الباحثون إلى أكثر من 18.6 مليون سجل لحرائق الغابات وبيانات سكانية عالمية، فوجدوا أن نحو 440 مليون شخص حول العالم عايشوا اقتراب حريق من منازلهم خلال الفترة نفسها، بمتوسط سنوي يناهز 382,700 حالة جديدة من التعرّض البشري. ويعزو الفريق هذه الزيادة أساسًا إلى توسع الاستيطان في المشاهد الطبيعية المعرضة للنيران.

    تغيّر المناخ يضخّم طقس الحرائق وشدة الحوادث

     

    ترصد الدراسة ارتفاعًا لافتًا في شدة حرائق الغابات في أمريكا الشمالية والجنوبية، مرتبطًا بتغيّر المناخ الذي يضخّم طقس الحرائق عبر حرارة أعلى ورطوبة أدنى ورياح أقوى. وعلى المستوى العالمي نما طقس الحرائق الشديد بأكثر من 50 في المئة خلال العقود الأربعة الماضية. وعندما يتقاطع ذلك مع ممارسات بشرية مثل قمع الحرائق تاريخيًا والتوسع العمراني داخل الواجهات الحضرية-البرية (مناطق التماس بين المدن والغابات)، ترتفع مخاطر الحوادث المدمّرة.

    أوروبا وأوقيانوسيا: تحضّر يقلّل التعرّض لكن المخاطر باقية

     

    شهدت أوروبا وأوقيانوسيا تراجعًا في حالات التعرّض البشري لحرائق الغابات، ويُعزى ذلك أساسًا إلى انتقال السكان من المناطق الريفية إلى المدن. لكن هذا لا يعني انتفاء المخاطر، إذ تبقى حرائق الغابات احتمالًا واقعيًا مع موجات حر وجفاف أشد. وتبرز المقارنة مع القارة الإفريقية الحاجة إلى مقاربات محلية تُراعي العوامل الاجتماعية والبيئية معًا.

    تخفيف مخاطر حرائق الغابات بالحرق الموصوف وإدارة الغطاء النباتي

     

    يشدد أمير آقاکوشك (Amir AghaKouchak) من جامعة كاليفورنيا في إيرفاين على ضرورة انتهاج استراتيجيات استباقية لتقليل التعرّض البشري. تشمل هذه الاستراتيجيات إدارة الغطاء النباتي وتقليل الوقود عبر الحرق الموصوف (prescribed burning)، إلى جانب حلول هندسية تحد من مسببات الاشتعال البشرية، وبرامج توعية عامة تربط بين تغيّر المناخ وطقس الحرائق المتطرف لتعديل السلوكيات في مناطق الخطر.

    ماذا تعني هذه الأرقام للتخطيط العمراني والبيئي

     

    تفرض النتائج دمج مخاطر حرائق الغابات في سياسات الإسكان واستعمالات الأراضي، وتوجيه التنمية بعيدًا عن الواجهات الحضرية-البرية عالية القابلية للاشتعال، وتحديد أولويات إدارة الوقود النباتي في المناطق ذات التعرّض البشري الأعلى. وبالنظر إلى أن 26 في المئة من انخفاض المساحة المحترقة ترافق مع نحو 40 في المئة من الزيادة في الأثر على الناس، فإن النجاح في مواجهة حرائق الغابات عالميًا لن يُقاس بالهكتارات المحترقة فقط، بل بقدرتنا على تقليل اقتراب النار من التجمعات السكانية الأكثر هشاشة.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط