رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
02:50 م calendar السبت 18 يوليو 2026

الوذمة الشحمية: مرض مزمن يصيب النساء ويُخلط غالبًا مع السمنة

ليس كل تراكم دهني سببه السمنة… تعرّف على الوذمة الشحمية وتأثير الأنظمة الغذائية على أعراضها

ما هي الوذمة الشحمية
ما هي الوذمة الشحمية ولماذا تصيب النساء تحديدًا؟ - illustration

    ليست سمنة ولا مجرد زيادة وزن… بل الوذمة الشحمية التي تحاصر آلاف النساء بألمٍ مزمن لا يُشخص بسهولة.

    الوذمة الشحمية حالة مزمنة تُصيب النساء وتسبب تراكمًا مؤلمًا للدهون في الساقين والفخذين، لا تستجيب للحمية التقليدية. دراسة نرويجية قارنت نظامين غذائيين وبيّنت أن تقليل الكربوهيدرات ساعد في تقليل الألم وتحسين جودة الحياة، دون تأثير واضح على الالتهاب العام. في ظل غياب إرشادات علاجية رسمية، تبقى الملابس الضاغطة والتصريف اللمفاوي أبرز أساليب الدعم المتاحة، وسط حاجة ملحة لتمويل عادل ووعي طبي واجتماعي أدق.


    أسباب وأعراض الوذمة الشحمية… ولماذا لا تستجيب للحمية العادية؟
    حقائق مهمة عن الوذمة الشحمية… المرض الصامت الذي يصيب النساء دون أن يُشخَّص - illustration

    ما هي الوذمة الشحمية (Lipoedema) ؟ مرض مؤلم يطال النساء أساسًا

     

    الوذمة الشحمية حالة شائعة لكنها غير معروفة على نطاق واسع. تتميّز بتراكم دهون غير متناسب تحت الجلد، يتركّز على الفخذين والساقين وأحيانًا الذراعين، بينما تبقى اليدان والقدمان في العادة غير متأثرتين. الألم من العلامات البارزة في هذا المرض؛ إذ يجعل الحركة اليومية شاقة وقد يدفع المصابات إلى دائرة من قلة النشاط وتراجع جودة الحياة. كثيرون يخلطون بين الوذمة الشحمية والسمنة، لكنهما حالتان مختلفتان: فالسمنة تشمل تراكم الدهون في مناطق متعددة من الجسم، تحت الجلد وحول الأعضاء الداخلية، بينما يتركز تراكم الدهون في الوذمة الشحمية تحت الجلد في الوركين والفخذين والساقين وأحيانًا الذراعين، وهو ما يفسّر لماذا قد ينقص محيط البطن مع الحِمية بينما تبقى الساقان والفخذان بحجمهما تقريبًا.

    ما نعرفه وما لا نعرفه: وراثة محتملة وآلام قد ترتبط بالالتهاب

     

    تشير الملاحظات السريرية إلى أن المرض قد يكون وراثيًا؛ فكثيرًا ما تظهر إصابات متعددة داخل العائلة الواحدة. وغالبًا ما تظهر الأعراض خلال فترات التغيّر الهرموني مثل البلوغ والحمل وانقطاع الطمث. سبب الألم الدقيق لا يزال غير محسوم، لكن باحثين يرجّحون وجود حالة التهابية داخل النسيج الدهني نفسه، وهذا قد يفسّر شدة الألم لدى كثير من المريضات. وحتى الآن، لا توجد في النرويج إرشادات وطنية موحّدة لعلاج المصابات أو متابعتهن.

    رسالة دكتوراه في NTNU تختبر نظامين غذائيين وتأثيرهما على الألم وجودة الحياة

     

    قدّمت يوليانه لوندانِس (Julianne Lundanes) رسالة دكتوراه في الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا NTNU درست فيها تأثير نظامين غذائيين مختلفين على نساء مصابات بـ الوذمة الشحمية، وقيّمت جوانب الألم وجودة الحياة ووزن الجسم وتركيبه والشهية وعلامات الالتهاب. شملت الدراسة 70 امرأة تتراوح أعمارهن بين 19 و73 عامًا، وقُسّمن إلى مجموعتين: مجموعة اتبعت نظامًا قليل الكربوهيدرات، وأخرى اتبعت نظامًا قليل الدهون. جرى ضبط السعرات بحيث تتساوى الكمية اليومية بين المجموعتين، مع اختلاف نسب الكربوهيدرات والدهون فقط. تلقّت المشاركات متابعة أسبوعية لمدة ثمانية أسابيع، وخضعن لقياسات عند البداية والنهاية، وشمل التقييم استبيانات لقياس الألم وجودة الحياة.

    نتائج رئيسية: ألم أقل مع تقليل الكربوهيدرات وتحسّن عام في جودة الحياة

     

    أظهرت النتائج اختلافات واضحة بين المجموعتين. النساء اللاتي اتبعن النظام القليل بالكربوهيدرات أبلغن عن انخفاض في الألم بنهاية الأسابيع الثمانية، بينما لم تُسجّل المجموعة القليلة بالدهون تغيّرًا ملحوظًا في الألم. مع ذلك، أفادت المجموعتان بتحسّن في جودة الحياة مقارنة بما قبل بدء الدراسة. ومن حيث الوزن، خسرت مجموعة «قليل الكربوهيدرات» وزنًا أكبر وكانت أقل شعورًا بالجوع في نهاية التجربة، وهو أمر معروف في هذه الأنظمة بعد الوصول إلى «الحالة الكيتونية»، وقد يكون أسهم في فقدان وزن أعلى.

    الالتهاب تحت المجهر: فحوص الدم لم تُظهر فروقًا بين المجموعتين

     

    اختبر فريق البحث ما إذا كان تراجع الألم مرتبطًا بانخفاض الالتهاب الجهازي في الجسم نتيجة النظام القليل بالكربوهيدرات. لكن فحوص الدم لم تُظهر فرقًا في مؤشرات الالتهاب بين المجموعتين. وتشير لوندانِس إلى أن قياسات الدم قد لا تعكس كل الصورة؛ إذ قد يستلزم الأمر فحص الالتهاب داخل الدهون نفسها للوصول إلى نتيجة قاطعة حول الآلية التي يخفّ بها الألم.

    لماذا تُخلط الوذمة الشحمية مع السمنة؟
    ما الفرق بين دهون السمنة والوذمة الشحمية؟ - illustration

    الحِميات وحدها لا تُذيب دهون الوذمة الشحمية

     

    تُظهر الخبرة السريرية وتجربة كثير من المريضات أن الدهون المرتبطة بـ الوذمة الشحمية لا تُفقد بسهولة عبر الحمية. قد ينقص الدهن العادي مثل دهون البطن، لكن مناطق الإصابة في الفخذين والساقين تبقى كما هي تقريبًا. وهذا يفسّر لماذا تظل نتائج الحِميات محدودة  بالنسبة لكثير من المصابات رغم التزامهن الصارم.

    خيارات العلاج المتاحة: تخفيف للأعراض وعمليات محدودة وباهظة

     

    لا يوجد حتى الآن علاج يزيل أسباب الوذمة الشحمية أو يشفي منها نهائيًا؛ المتاح هو تخفيف الأعراض وتحسين الحركة. يُعد شفط الدهون خيارًا مطروحًا لبعض الحالات، لكنه متاح حاليًا ضمن إطار بحثي فقط في مستشفى هارالدسبلاس في برغن. أما اللجوء للجراحة الخاصة فيتطلب تكاليف قد تصل إلى مئات الآلاف من الكرونات النرويجية. وحتى الآن، لم تُحسم الآثار طويلة الأمد لشفط الدهون في هذه الحالة، ما يبرز الحاجة إلى مزيد من الدراسات.

    علاج محافظ ودعم عملي: ملابس ضاغطة وتصريف لمفاوي وتنشيط للدورة الدموية

     

    يحصل معظم المرضى على دعم عبر العلاج الطبيعي وارتداء ملابس ضاغطة تشدّ وتساند المناطق المصابة. كثير من المريضات يستفدن من هذه الملابس في تقليل الألم وتحسين القدرة على الحركة. كما تستخدم بعضهن في المنزل جهازًا يُعرف باسم «جهاز نبضي» (Pulsator)، وهو علاج تفريغي يستهدف الأوعية اللمفاوية لتحفيز الجهاز اللمفاوي وتعزيز تصريف السوائل اللمفاوية، بما يساعد على تنشيط الدورة الدموية. يُستخدم الجهاز كأنه «بنطال كبير» أثناء الاستلقاء، وتذكر مستخدمات أنه يخفف الألم ويزيد من الطاقة.

    سونيفا كوابينغ… قصة تشخيص متأخر وتجارب حِمية بلا جدوى

     

    بدأت قصة سونيفا كوابينغ في المرحلة الإعدادية عندما بدأت أفخاذها وساقاها وأعضادها تكبر فجأة وبشكل مؤلم. لم تحصل على تشخيص الوذمة الشحمية  إلا بعد سن الأربعين، وبعد أن جرّبت «كل أنواع الحميات تقريبًا» دون نتيجة تُذكر. وجدت سونيفا في «الملابس الضاغطة» مساعدة ملموسة، وتقول إنها فقدت بفضلها سنتيمترات من ساقيها. لكنها تشكو من تفاوت التغطية المالية لهذه المستلزمات من منطقة إلى أخرى، ما يجعل الحصول على المساعدة «مسألة حظ». وتستخدم في بيتها جهازًا نبضيًا، وتصف أثره بأنه «يُذهب الألم ويمنح طاقة»، وتضيف: «عندما تقل طاقتي وأستلقي داخله، كأن جسدي يستيقظ». وبينما تعلّمت التعايش مع المرض، يبقى العبء الاجتماعي ثقيلًا؛ إذ تقول: «قال لي طبيب إنني لن أموت بسبب الوذمة الشحمية، لكنني أموت قليلًا في كل مرة لا أستطيع فيها الجلوس على الأرض مع ابنتي، أو الخروج في نزهة بسبب الألم، أو حين يظن الناس أنني بدينة وكسولة».

    نحو وعيٍ أدقّ وتمويلٍ أكثر عدلًا

     

    تكشف تجربة سونيفا ونتائج دراسة NTNU ملامح مشهد علاجي ومعرفي لا يزال في طور التشكل: مرض مؤلم يساء فهمه ويُخلط بالسمنة، حميات قد تُحسّن الألم وجودة الحياة لكنها لا تُذيب دهون الوذمة الشحمية نفسها، وعلاجات جراحية محدودة باهظة الثمن لم تُحسم آثارها البعيدة. ما بين الحاجة إلى إرشادات وطنية صريحة وبحوث تشرح آليات الألم والالتهاب داخل النسيج الدهني، تبقى الأولوية لتعزيز الوعي العام وتوسيع الوصول إلى العلاج التحفظي وتمويله بعدالة، حتى لا يظل الدعم «مسألة عشوائية» كما تصف سونيفا، ولتتمكن المصابات من استعادة حركةٍ أقل ألمًا وحياةٍ أكثر كرامة.

    تم نسخ الرابط