رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
04:09 م calendar السبت 18 يوليو 2026

تايلاند تقصف كمبوديا جوّاً وسط انهيار محتمل لاتفاق وقف إطلاق النار

الغارات الحدودية تهدد اتفاقاً رعاه دونالد ترامب قبل شهرين وتدفع مئات الآلاف إلى النزوح على جانبي الحدود.

اجتماعات دبلوماسية
اجتماعات دبلوماسية تبحث مصير وقف إطلاق النار بين تايلاند وكمبوديا - Illustration

    ملخص

    عاد التوتر بين تايلاند وكمبوديا إلى الواجهة مع إعلان الجيش التايلاندي شن غارات جوية على أهداف عسكرية داخل كمبوديا قرب الحدود، رداً على هجوم قالت بانكوك إنه أسفر عن مقتل جندي تايلاندي وإصابة سبعة آخرين. كمبوديا نفت الاتهامات واتهمت تايلاند بالبدء بالهجوم وبإحراق منازل في ولايتي أودار مينشي وريا فيهير، مؤكدة سقوط أربعة قتلى مدنيين ونزوح عشرات الآلاف. التصعيد يهدد اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقّع في أكتوبر بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم، بعد اشتباكات دموية استمرت خمسة أيام في يوليو وأدت إلى مقتل العشرات ونزوح نحو 200 ألف شخص. ومع استمرار التلاسن بين تايلاند وكمبوديا، تجتمع الأطراف مع ممثلي الولايات المتحدة وماليزيا وسط خشية من انهيار المسار الذي رُوّج له كإنجاز دبلوماسي مهم.

    تايلاند تشن غارات جوية على كمبوديا قرب الحدود - Illustration
    تايلاند تشن غارات جوية على كمبوديا قرب الحدود - Illustration

    تصاعد القتال بين تايلاند وكمبوديا على الحدود

     

    التوتر على الحدود بين تايلاند وكمبوديا تحوّل مجدداً إلى مواجهة مفتوحة عندما أعلنت تايلاند الاثنين تنفيذ ضربات جوية داخل الأراضي الكمبودية، بعد أسابيع من التوتر وتعليق بانكوك التقدم في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار. الطرفان تبادلا الاتهامات منذ ساعات الفجر الأولى، كل منهما يروي رواية مختلفة عمن بدأ ضرب الحدود.

    العلاقات بين تايلاند وكمبوديا شهدت في السنوات الماضية جولات متقطعة من الاشتباكات الحدودية القصيرة، كان أحدثها في يوليو الماضي عندما اندلع قتال استمر خمسة أيام وأدى إلى مقتل العشرات ونزوح نحو 200 ألف شخص من الجانبين. الأزمة الحالية تأتي على خلفية نزاع طويل حول ترسيم الحدود، ما يجعل أي حادث عسكري قابلًا للاشتعال بسرعة بين البلدين.

    موقف تايلاند: الدفاع عن السيادة واستمرار العمليات العسكرية

     

    رئيس وزراء تايلاند أنوتين شارنفيراكول قال إن بلاده "لم تكن ترغب أبداً في رؤية العنف"، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن تايلاند "لن تسمح بانتهاك سيادتها". وأوضح أن أي تحرك عسكري إضافي سيتقرر "وفقاً لظروف الميدان"، في إشارة إلى ما تعتبره بانكوك تهديدات من جانب كمبوديا على الخط الحدودي.

    المتحدث باسم وزارة الخارجية التايلاندية نيكورنديج بالانكورا قال لاحقاً إن العمليات العسكرية ستستمر إلى أن تتأكد تايلاند من أن سيادتها وسلامة أراضيها "لا تُمس". وأضاف أن موقف تايلاند، بما في ذلك استخدام القوة، "لن يتغير ما لم تغيّر كمبوديا موقفها وتختار طريق السلام".

    الجيش التايلاندي أوضح أن الغارات الجوية الأخيرة استهدفت "بنى تحتية عسكرية" لكمبوديا في منطقة ممر تشونغ أَن ما، ووصفتها بانكوك بأنها رد على هجوم قالت إنه وقع في وقت سابق من الاثنين وأدى إلى مقتل جندي تايلاندي وإصابة سبعة آخرين قرب قاعدة أنوبونغ. وذكر المتحدث العسكري اللواء وينتاي سوفاري أن كمبوديا استخدمت "المدفعية وقاذفات الهاون" ضد مواقع تايلاندية.

    رواية كمبوديا عن الهجمات والخسائر المدنية

     

    وزارة الدفاع في كمبوديا سارعت إلى نفي الرواية التايلاندية، وقالت في بيان إن ما ترويه بانكوك "معلومات كاذبة". وأكدت أن الجيش الكمبودي لم يشن أي هجوم مضاد عقب الغارات، مشيرة إلى أنه "لم يرد إطلاقاً".

    الجيش الكمبودي قال إن تايلاند هي من نفذت "هجوماً" على قواته عند الساعة 5:04 فجراً تقريباً، مضيفاً أن ذلك جاء بعد "أيام من الأعمال الاستفزازية" من جانب القوات التايلاندية قرب الحدود.

    في تفاصيل إضافية، قالت المتحدثة باسم وزارة الدفاع مالي سوشيتا إن قوات تايلاند أحرقت منازل وتسببت بإصابات وأجبرت السكان على الفرار من قرى حدودية في ولايتي أودار مينشي وريا فيهير في شمال كمبوديا. وزير الإعلام الكمبودي نيث فيكترا كتب على فيسبوك أن أربعة مدنيين على الأقل قتلوا وأصيب عدد آخر في الولايتين، مؤكداً أن "عشرات الآلاف" نزحوا من المناطق القريبة من الحدود مع تايلاند.

    إجلاء واسع للمدنيين في تايلاند وكمبوديا قرب الحدود

     

    في تايلاند، بدأ الجيش الأحد إجلاء السكان من البلدات المتضررة على طول الحدود مع كمبوديا، وقال إن نحو 70% من المدنيين في المناطق المستهدفة تم نقلهم بالفعل. المتحدث باسم الخارجية نيكورنديج بالانكورا أوضح أن نحو 400 ألف شخص تقريباً وصلوا إلى مراكز إيواء مؤقتة داخل تايلاند مع استمرار القتال على الحدود.

    على الجانب الكمبودي، تحدثت السلطات عن موجات نزوح واسعة من ولايتي أودار مينشي وريا فيهير، من دون تحديد أرقام دقيقة للنازحين، لكن تصريحات وزير الإعلام تشير إلى أن عددهم بلغ عشرات الآلاف. الوضع الإنساني المتدهور على جانبي الحدود يضيف ضغطاً جديداً على أي جهود لوقف إطلاق النار بين تايلاند وكمبوديا.

    كمبوديا تتهم تايلاند بحرق المنازل
    كمبوديا تتهم تايلاند بحرق المنازل

    وقف إطلاق النار برعاية دونالد ترامب تحت الضغط

     

    التصعيد العسكري الحالي يهدد اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه تايلاند وكمبوديا في يوليو بعد جولة قتال وُصفت بأنها الأعنف منذ سنوات. الاتفاق الأولي تم التوصل إليه في 28 يوليو بعد اتصالات أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع قادة البلدين.

    في نهاية أكتوبر، وقّعت تايلاند وكمبوديا إعلاناً موسعاً لوقف إطلاق النار في كوالالمبور، بحضور ترامب ورئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم، الذي وصف التفاهم حينها بأنه خطوة حاسمة لاستقرار العلاقة بين الجارين. ترامب اعتبر الاتفاق إنجازاً دبلوماسياً بارزاً وأدخله ضمن ما يراه حملة لإنهاء حروب قائمة.

    لكن الاتفاق بدأ يتفكك سريعاً؛ فبعد أقل من أسبوعين على توقيعه، أعلنت تايلاند تعليق التقدم في تنفيذه بعد انفجار لغم أرضي على الحدود أدى إلى إصابة عدد من الجنود التايلانديين. هذا التوتر المتجدد جعل اتفاق وقف إطلاق النار، الذي رعاه ترامب، "معلقاً" عملياً حتى قبل الغارات الجوية الأخيرة.

    دور آسيان وماليزيا والولايات المتحدة في الأزمة

     

    مع تصاعد القتال، قال أنور إبراهيم إنه "يشعر بقلق عميق من التقارير عن اشتباكات مسلحة" بين تايلاند وكمبوديا، داعياً الطرفين إلى ضبط النفس. وأوضح أن تجدد القتال "يهدد بنسف العمل الدقيق الذي بُذل لاستقرار العلاقات بين البلدين".

    وزارة الخارجية التايلاندية ذكرت أن مسؤولين تايلانديين التقوا السفير الماليزي والقائم بالأعمال الأمريكي في بانكوك عقب التصعيد الأخير، لكن المتحدث نيكورنديج لم يقدم تفاصيل إضافية عن مضمون اللقاءات.

    الدول الثلاث، تايلاند وكمبوديا وماليزيا، أعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان"، وهي تكتل إقليمي معني بالتعاون الاقتصادي والسياسي والأمني. ومع ذلك، لم تُعلن آسيان بعد عن مبادرة واضحة لاحتواء الأزمة بين تايلاند وكمبوديا، فيما تتابع واشنطن تطورات اتفاق وقف إطلاق النار الذي سبق أن اعتُبر نجاحاً شخصياً للرئيس ترامب.

    جذور النزاع الحدودي بين تايلاند وكمبوديا

     

    النزاع بين تايلاند وكمبوديا يدور حول أجزاء من الحدود البرية الممتدة لنحو 800 كيلومتر. جوهر الخلاف يرتبط بخريطة وضعتها السلطات الفرنسية عندما كانت كمبوديا تحت الاستعمار، وهي خريطة لا تقبلها تايلاند وتعتبر أنها لا تعكس الحدود الطبيعية والتاريخية بين البلدين.

    هذا الخلاف القانوني والتاريخي حول ترسيم الحدود جعل من المناطق المحيطة بها بؤراً دائمة للتوتر، ومع كل حادث أمني يتجدد خطر الانزلاق إلى مواجهات عسكرية، كما حدث في يوليو ثم في جولة التصعيد الأخيرة. استمرار غياب تسوية نهائية للحدود يعني أن اتفاقات وقف إطلاق النار، حتى عندما تُوقّع برعاية دولية أو إقليمية، تبقى معرضة للاهتزاز عند أول شرارة بين تايلاند وكمبوديا.

    تم نسخ الرابط