رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
05:38 م calendar السبت 18 يوليو 2026

اختلاف الإحساس بالبرد بين الجلد والداخل: تفسير علمي جديد

دراسة علمية حديثة تكشف أن اختلاف الإحساس بالبرد بين الجلد والأعضاء الداخلية يعود لاختلاف المستشعرات العصبية

 اختلاف الإحساس بالبرد
اختلاف الإحساس بالبرد بين الجلد وأعضاء الجسم

    ملخص

    في اكتشاف علمي حديث نُشر في Acta Physiologica، تبيّن أن اختلاف الإحساس بالبرد بين الجلد والأعضاء الداخلية يعود إلى استخدام الجسم مستشعرات جزيئية ومسارات عصبية مختلفة. أوضحت الدراسة أن الجلد يعتمد على قناة أيونية تُسمى (TRPM8) لرصد البرودة الخارجية، بينما تستخدم الأعضاء الداخلية مستشعر جزيئي (TRPA1) عبر العصب المبهم. هذا الاكتشاف يقدّم تفسيرًا علميًا لتنوّع حساسية البرد وقد يساعد في فهم اضطرابات عصبية مرتبطة بالحرارة.

    لماذا لا يشعر الجسم بالبرد بالطريقة نفسها؟
    لماذا يختلف الإحساس بالبرد داخل الجسم؟

    اختلاف الإحساس بالبرد بين الجلد والأعضاء الداخلية

     

    قد يبدو البرد شعورًا واحدًا، لكن تجربتنا اليومية تقول غير ذلك. لمس سطح بارد باليد يختلف تمامًا عن الإحساس عند استنشاق هواء مثلّج أو ابتلاع رشفة شديدة البرودة. هذا الفارق ليس مجرد انطباع، بل قد يكون نتيجة طرق مختلفة يعمل بها الجسم عندما يلتقط انخفاض الحرارة في أماكن متباينة.

    لتفسير هذا التباين وتسليط الضوء على آلياته، قاد فيليكس فيانا (Félix Viana) وزملاؤه، وهو المدير المشارك لمختبر “الانتقال الحسي والإحساس بالألم” في معهد علوم الأعصاب (Institute for Neurosciences, IN)، بحثًا نُشر في Acta Physiologica خلص إلى أن الجسم لا يستشعر البرد عبر نظام موحّد. بل يعتمد الجلد والأعضاء الداخلية على أنظمة جزيئية مختلفة لرصد انخفاض درجة الحرارة، ما يضيف فهمًا جديدًا لكيفية حفاظ الجسم على توازن درجة الحرارة وقد يساعد في تفسير اضطرابات ترتبط بزيادة أو اضطراب حساسية البرد.

    مستشعرات البرد ودور حساسية البرد

     

    ينتمي الفريق إلى معهد علوم الأعصاب (Institute for Neurosciences, IN)، وهو مركز بحثي مشترك بين المجلس الأعلى للبحوث العلمية الإسباني (Spanish National Research Council, CSIC) وجامعة ميغيل هيرنانديز في إلتشي (Miguel Hernández University of Elche, UMH). ومن خلال هذا العمل، اتضح أن إدراك البرد يتغير تبعًا لمكان حدوثه في الجسم.

    على سطح الجلد، تُلتقط درجات الحرارة المنخفضة أساسًا عبر قناة أيونية تُسمى (TRPM8)، وهي متخصصة في استشعار البرودة القادمة من البيئة. أما داخل الجسم، فتشير النتائج إلى أن أعضاء مثل الرئتين والمعدة تعتمد بدرجة كبيرة على مستشعر جزيئي مختلف هو (TRPA1) لتسجيل تغيرات الحرارة. ويمكن تبسيط مفهوم القناة الأيونية للقارئ العام بأنها بوابة دقيقة في غشاء الخلية تسمح بمرور شحنات تؤدي إلى إطلاق إشارة عصبية، وهو ما ينعكس في النهاية على الإحساس بالبرد وسلوكيات الاستجابة له.

    هذه القسمة تفسر لماذا يشعر الإنسان ببرد الجلد بطريقة تختلف عن برد “الداخل”. فوفق ما يوضحه فيانا، الجلد مزوّد بحساسات تمكّننا من التقاط برد البيئة بسرعة وتبنّي سلوكيات دفاعية. وفي المقابل، يبدو أن استشعار البرد داخل الجسم يعتمد على دوائر حسية ومستقبلات مختلفة، بما يعكس دورًا تنظيميًا أعمق مرتبطًا بالوظائف الداخلية والاستجابة للمؤثرات البيئية.

    الأعصاب التي تنقل إشارات البرد

     

    لم يكتفِ الباحثون بوصف الاختلاف بين الجلد والأعضاء الداخلية، بل حاولوا تتبع المسارات العصبية التي تحمل هذه الإشارات. استخدم الفريق نماذج حيوانية أتاحت دراسة العصبونات الحسية المسؤولة عن الإحساس بالبرد بشكل مباشر، مع التركيز على مسارين رئيسيين.

    المسار الأول هو العصب ثلاثي التوائم (trigeminal nerve)، الذي ينقل المعلومات الحسية من الجلد وسطح الرأس. والمسار الثاني هو العصب المبهم (vagus nerve)، الذي يمثل قناة تواصل أساسية بين الدماغ وأعضاء داخلية مثل الرئتين والجهاز الهضمي. وضع هذين المسارين جنبًا إلى جنب ساعد في فهم لماذا تختلف خبرة البرد عندما تأتي من السطح مقارنة بما يحدث في العمق، وهو ما ينعكس أيضًا على تفاوت حساسية البرد بين الأشخاص أو بين الأنسجة نفسها.

    لماذا يختلف الإحساس بالبرد داخل الجسم؟
    ما سبب اختلاف حساسية البرد بين الأنسجة؟

    تقنيات رصد نشاط الأعصاب في الزمن الحقيقي

     

    لفهم ما يحدث لحظة بلحظة، راقب الباحثون استجابة العصبونات لتغيرات الحرارة باستخدام “تصوير الكالسيوم” (calcium imaging) وتسجيلات القياسات الكهروفسيولوجية (electrophysiological recordings). هذه الأدوات سمحت برؤية النشاط العصبي في الزمن الحقيقي بدل الاعتماد على مؤشرات غير مباشرة.

    ثم جاء السؤال الأهم: أي المستشعرات الجزيئية تعمل في كل نوع من العصبونات؟ للإجابة، استخدم الفريق أدوية تحجب مستشعرات محددة بصورة انتقائية، بحيث يصبح بالإمكان تتبع القناة أو المستقبل المسؤول عن الإشارة في كل مسار. بهذه الخطوة تحولت الفكرة من ملاحظة عامة حول “اختلاف الإحساس” إلى تحديد أدق للآلية التي تقف خلف هذا الاختلاف في الإحساس بالبرد.

    أدلة وراثية تميّز بين مستشعرات البرد

     

    لمزيد من الحسم، درس الباحثون فئرانًا معدلة وراثيًا تفتقر إلى أحد المستشعرين المرتبطين بالبرد، إما (TRPM8) أو (TRPA1). وعند جمع هذه النتائج مع تحليلات التعبير الجيني (gene expression analyses)، تأكدت الصورة التي تقترحها الدراسة: لكل مستشعر دور مميز يعتمد على النسيج. فالجلد، بوصفه واجهة الجسم مع البيئة، يستخدم آليات تختلف عن تلك التي تستخدمها الأعضاء الداخلية، التي يبدو أن استشعارها للبرد مرتبط بوظيفة تنظيمية داخلية لا تشبه وظيفة الجلد.

    هذه النتيجة لا تعني فقط أن الإحساس بالبرد متنوع، بل تشير إلى أن طريقة ترميز المعلومات الحرارية داخل الجسم ليست واحدة، وأن اختلاف حساسية البرد قد يرتبط بمكان الإحساس وبالمستشعر الذي يهيمن في ذلك النسيج.

    ماذا تعني النتائج لفهم حساسية البرد والاعتلالات العصبية؟

     

    تؤكد كاثرينا غيرس-بارلاغ (Katharina Gers-Barlag)، المؤلفة الأولى للدراسة، أن النتائج تقدم رؤية أكثر تعقيدًا ودقة لكيفية ترميز الأنظمة الحسية في الأنسجة المختلفة للمعلومات الحرارية. وتلفت إلى أن هذا الفهم يفتح أبوابًا جديدة لدراسة كيفية دمج الدماغ لهذه الإشارات، وكيف يمكن أن تتبدل في حالات مرضية مثل بعض الاعتلالات العصبية (neuropathies) التي تتأثر فيها حساسية البرد وتصبح مضطربة.

    وبينما لا تقدم الدراسة وصفة علاجية مباشرة، فإنها ترسم خريطة أوضح لمصادر الإحساس بالبرد في الجسم، وتلمّح إلى أن اضطرابات حساسية البرد قد لا تكون ظاهرة واحدة في كل مكان، بل قد تختلف آليتها بين الجلد والأعضاء الداخلية. هذا التفصيل وحده قد يغير طريقة فهم الأعراض عندما يشتكي شخص من برودة مزعجة على الجلد، أو من إحساس مختلف تمامًا بالبرد في الصدر أو المعدة.

    تم نسخ الرابط