رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
12:25 م calendar السبت 18 يوليو 2026

العصب الحائر: الاكتشاف العصبي الذي قد يؤخر شيخوخة القلب

ماذا لو لم يكن شباب القلب مرتبطًا فقط بالرياضة والغذاء؟ أبحاث جديدة تكشف أن العصب الحائر قد يحمل سرًا خفيًا يبطئ شيخوخة القلب من الداخل.

من الدماغ إلى القلب:
من الدماغ إلى القلب: دور العصب الحائر في الحماية القلبية

    ملخص

    في اكتشاف علمي جديد بقيادة باحثين من مدرسة سانت آنا للدراسات المتقدمة في بيزا، نُشرت نتائجه في مجلة Science Translational Medicine، تبيّن أن الحفاظ على اتصال العصب الحائر بالقلب قد يبطئ شيخوخة عضلة القلب. أظهرت الدراسة أن التعصيب المبهم القلبي، خصوصًا عبر العصب الحائر الأيمن، يسهم في حماية خلايا القلب والحفاظ على كفاءة الانقباض. كما كشفت أن استعادة الاتصال العصبي، حتى بشكل جزئي، قد تقلل التغيرات البنيوية المرتبطة بتقدم العمر، فاتحةً آفاقًا جديدة في علاج وجراحة القلب.

    اتصال عصبي واحد قد يغير مستقبل صحة القلب
    لماذا أصبح العصب الحائر محور أبحاث شباب القلب؟

    من أين يأتي “شباب” القلب؟

     

    يبحث كثيرون عن وصفة لقلب أقوى مع التقدم في العمر، وغالبًا ما ينصب الاهتمام على الضغط والكوليسترول ونمط الحياة. لكن أبحاثًا جديدة تقترح أن جزءًا من القصة قد يكون مرتبطًا باتصال عصبي دقيق يربط الدماغ بالقلب. فحين يبقى هذا الاتصال سليمًا، يبدو أن القلب يحتفظ بقدرة أفضل على مقاومة آثار الزمن.

    ولإلقاء الضوء على هذه الفكرة، نسّقت مدرسة سانت آنا للدراسات المتقدمة في بيزا (Sant'Anna School of Advanced Studies) دراسة نُشرت في Science Translational Medicine، خلصت إلى أن الحفاظ على اتصالات العصب الحائر (vagus nerve) بالقلب على الجانبين يساعد على إبطاء عملية شيخوخة القلب. وتضع الدراسة العصب الحائر والقلب في علاقة مباشرة مع تباطؤ الشيخوخة القلبية، لا بوصفه منظمًا للإيقاع فحسب بل كعامل حماية أعمق.

    وتركز النتائج بشكل خاص على العصب الحائر القلبي الأيمن، معتبرةً أنه يلعب دورًا حاسمًا في حماية خلايا عضلة القلب ودعم صحة القلب على المدى الطويل، بغض النظر عن معدل ضربات القلب. وتشير النتائج كذلك إلى أن التعصيب المبهم القلبي قد يكون عاملًا حاسمًا في إبطاء شيخوخة عضلة القلب، وهو ما يمنح هذا الاتصال العصبي أهمية تتجاوز دوره المعروف في تنظيم الوظائف القلبية.

    ما هو العصب الحائر ولماذا يهم القلب؟

     

    العصب الحائر هو أحد الأعصاب الرئيسية التي تربط الدماغ بأعضاء كثيرة في الجسم، ويُعد جزءًا مهمًا من منظومة تنظيم وظائف الأعضاء تلقائيًا. في القلب، يساهم هذا العصب في إرسال إشارات عصبية تساعد على ضبط الأداء القلبي. ولهذا ركز الباحثون على بقاء التعصيب المبهم القلبي، أي استمرار الاتصال العصبي بين العصب الحائر والقلب، باعتباره عنصرًا قد يرتبط بسلامة خلايا عضلة القلب نفسها، لا بإيقاعها فقط.

    وتقترح الدراسة أن هذا الارتباط يمكن رصده عند الحفاظ على الاتصال العصبي أو فقدانه، ثم محاولة استعادته، ما يفتح المجال لفهم أكثر دقة لكيفية تسارع شيخوخة القلب أو تباطؤها.

    ماذا يحدث عندما يفقد القلب اتصال العصب الحائر؟

     

    يشرح البروفيسور فينتشنزو ليونيتي (Vincenzo Lionetti)، المسؤول عن قيادة الدراسة ضمن وحدة العناية الحرجة الانتقالية “TrancriLab” التابعة لمركز الأبحاث متعدد التخصصات لعلوم الصحة (Interdisciplinary Research Center Health Science)، أن فقدان سلامة الاتصال مع العصب الحائر يرتبط بشيخوخة أسرع للقلب. وبعبارة مباشرة، عندما يتضرر هذا الاتصال أو يضعف، تتسارع مؤشرات التقدم في العمر داخل القلب.

    هذه النقطة بدت محورية لأن الدراسة تربط بين عنصر عصبي محدد وبين وتيرة الشيخوخة القلبية، بدل الاكتفاء بتفسير التغيرات القلبية على أنها نتيجة حتمية للزمن وحده.

    أمل جديد لإبطاء شيخوخة عضلة القلب عبر العصب الحائر
    أمل جديد لإبطاء شيخوخة عضلة القلب عبر العصب الحائر

    العصب الحائر القلبي الأيمن في دائرة الضوء

     

    لفتت الدراسة إلى أن العصب الحائر القلبي الأيمن على وجه الخصوص كان حاضرًا كعنصر حماية بارز. فالنتائج أبرزت دوره في حماية خلايا عضلة القلب ودعم صحة القلب على المدى الطويل، حتى عندما لا يُختزل الأمر في تأثيرات مرتبطة بسرعة النبض. كما يعزز ذلك فكرة أن هذا العصب قد يسهم في حماية عضلة القلب نفسها، لا مجرد ضبط إيقاعها.

    ومن الملاحظات العملية أن الاستفادة لا تتطلب بالضرورة عودة الاتصال العصبي إلى حالته الكاملة. إذ أوضحت طبيبة القلب أنار دوشبانوفا (Anar Dushpanova) من TrancriLab أن حتى الاستعادة الجزئية للاتصال بين العصب الحائر الأيمن والقلب كانت كافية لمواجهة آليات إعادة التشكيل والحفاظ على كفاءة الانقباض القلبي. وتشير إعادة التشكيل إلى التغيرات البنيوية والوظيفية التي قد تطرأ على عضلة القلب، بينما تعني كفاءة الانقباض قدرة القلب على ضخ الدم بكفاءة.

    وتقترح النتائج مسارًا يربط التعصيب المبهم القلبي بتباطؤ شيخوخة عضلة القلب والحفاظ على كفاءة الانقباض، حتى عندما تكون الاستعادة جزئية وليست كاملة.

    كيف دخلت الهندسة الحيوية على الخط؟

     

    توضح الدراسة أن الوصول إلى هذه النتائج اعتمد على تعاون وثيق بين تخصصات متعددة، جمعت بين الطب التجريبي والهندسة الحيوية المتقدمة في أبحاث القلب والأوعية. وكان لمعهد البيوروبوتكس (Biorobotics Institute) دور محوري تحت إشراف البروفيسور سيلفسترو ميتشيرا (Silvestro Micera)، إذ طوّر المعهد قناة عصبية قابلة للامتصاص الحيوي صُممت لدعم تجدد العصب الحائر وتوجيهه عند المستوى الصدري القريب من القلب.

    ويشرح يوجينيو ريدولفي ريفا (Eugenio Redolfi Riva)، أحد مؤلفي براءة اختراع الطرف العصبي التعويضي في معهد البيوروبوتكس، أن الفريق طوّر قناة عصبية قابلة للزرع هدفها تشجيع التجدد التلقائي للعصب الحائر الصدري وتوجيهه عند المستوى القلبي. وهو ما يفتح الباب عمليًا أمام تجدد الأعصاب في منطقة قريبة من القلب عبر حلول قابلة للزرع، دون اشتراط استعادة كاملة لكل ما فُقد من الاتصال كي تظهر الفائدة.

    أين أُجريت الدراسة وكيف مُولت؟

     

    بحسب ما ورد في تفاصيل العمل، جرت التجارب بالكامل في بيزا، واعتمدت على تمويل من البرنامج الأوروبي المعروف باسم European FET (Future and Emerging Technologies) عبر مشروع NeuHeart، إلى جانب دعم جزئي من تمويل PNRR ضمن منظومة Tuscany Health Ecosystem.

    ولتفسير حجم العمل بشكل أدق، تقول الدراسة إن النتائج جاءت عبر شبكة تعاون بحثي واسعة من مؤسسات إيطالية ودولية، جمعت خبرات في الطب التجريبي والهندسة الحيوية وأبحاث الشيخوخة. وشارك في هذا العمل باحثون من المدرسة النورمالية العليا (Scuola Normale Superiore) وجامعة بيزا (University of Pisa) ومؤسسة توسكانا جي مونستريو (Fondazione Toscana G. Monasterio)، إلى جانب معهد الفيزيولوجيا السريرية التابع للمجلس الوطني للبحوث الإيطالي (Institute of Clinical Physiology of the CNR).

    وامتد التعاون ليشمل جامعة أوديني (University of Udine) ومؤسسة جي في إم للرعاية والبحث (GVM Care & Research)، إضافة إلى جامعة الفارابي الكازاخية الوطنية (Al-Farabi Kazakh National University) ومعهد لايبنتس للشيخوخة في ينا (Leibniz Institute on Ageing in Jena) والمدرسة الفدرالية التقنية العليا في لوزان (École Polytechnique Fédérale de Lausanne).

    لماذا قد يغيّر ذلك نظرة الجراحة القلبية وزراعة الأعضاء؟

     

    في ختام ما توصل إليه الفريق، رأى ليونيتي أن النتائج تفتح آفاقًا جديدة لجراحة القلب والصدر وجراحات زراعة الأعضاء. فبدل أن يتركز الاهتمام على التعامل مع مضاعفات متأخرة مرتبطة بشيخوخة قلبية مبكرة، تقترح الدراسة أن استعادة التعصيب المبهم القلبي وقت الجراحة قد تمثل استراتيجية مبتكرة للحماية على المدى الطويل.

    هذه الفكرة، كما يصفها الباحثون، قد تنقل النموذج السريري من إدارة المضاعفات بعد ظهورها إلى محاولة الوقاية منها عبر الحفاظ على الاتصال العصبي أو استعادته، حتى لو كان ذلك بشكل جزئي، بما يحافظ على كفاءة انقباض القلب ويقلل آليات إعادة التشكيل المرتبطة بالتقدم في العمر.

    تم نسخ الرابط