رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
02:48 م calendar السبت 18 يوليو 2026

التهاب مزمن قد يفسر ارتفاع سرطان القولون والمستقيم المبكر

لم يعد سرطان القولون مرضًا يخص كبار السن فقط، إذ تكشف دراسة جديدة أن التهابًا مزمنًا قد يغيّر نسيج القولون ويمهّد لسرطان مبكر لدى الشباب.

صلابة القولون عامل
صلابة القولون عامل جديد في سرطان القولون والمستقيم المبكر

    ملخص

    لماذا يصيب سرطان القولون والمستقيم المبكر الشباب بشكل متزايد؟
    في اكتشاف حديث من باحثين في المركز الطبي لجامعة تكساس ساوث وسترن وجامعة تكساس في دالاس، كشفت دراسة نُشرت في Advanced Science أن الالتهاب المزمن قد يغيّر البنية الميكانيكية لأنسجة القولون ويزيد صلابتها قبل ظهور سرطان القولون والمستقيم المبكر. أظهرت النتائج أن أنسجة الشباب المصابين كانت أكثر صلابة وتندّبًا حتى خارج مناطق الورم، ما يشير إلى أن البيئة الالتهابية قد تهيّئ القولون لتطور السرطان مبكرًا، وتوفر هدفًا جديدًا للفحص والعلاج.

    سرطان القولون لم يعد مرض كبار السن فقط
    سرطان القولون والمستقيم المبكر مرتبط بتغيرات خفية في الأنسجة

    التهاب مزمن قد يغيّر القولون ويزيد خطر سرطان مبكر لدى الشباب

     

    ارتبط سرطان القولون والمستقيم لسنوات طويلة في أذهان كثيرين بأنه مرض يظهر غالبًا بعد سن الخمسين، لكن المشهد تغيّر تدريجيًا. ففي الولايات المتحدة، تُظهر تقارير صحية أن معدلات الإصابة لدى من هم دون 50 عامًا ترتفع بوتيرة ملحوظة، في وقت تتراجع فيه المعدلات الإجمالية لدى الفئات الأكبر سنًا.

    هذا الاتجاه يثير القلق لأن سرطان القولون والمستقيم المبكر قد يُكتشف متأخرًا لدى بعض المرضى الأصغر سنًا، بينما تبقى أسبابه البيولوجية الدقيقة غير واضحة بالكامل. ومع كل ارتفاع جديد في الحالات يُعاد طرح سؤال أسباب سرطان القولون عند الشباب، وما إذا كان الالتهاب طويل الأمد جزءًا من القصة.

    ولتسليط الضوء على هذا الرابط، عرضت دراسة جديدة نُشرت في Advanced Science أدلة تشير إلى أن التهاب الأمعاء المزمن قد يُحدث تغيّرات مادية داخل أنسجة القولون نفسها. وقاد البحث فريق من المركز الطبي لجامعة تكساس ساوث وسترن (UT Southwestern Medical Center) بالتعاون مع جامعة تكساس في دالاس (The University of Texas at Dallas). وخلص الباحثون إلى أن الالتهاب المزمن قد يزيد صلابة القولون أو يصلّب أنسجة القولون، بما يخلق بيئة تساعد على تطور سرطان القولون والمستقيم (CRC) المبكر وانتشاره، وهو ما يفتح الباب أمام طرق أفضل لتحديد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر وتطوير علاجات موجهة.

    لماذا يرتفع سرطان القولون تحت 50 عامًا؟

     

    تفرّق الدراسة بين نوعين من سرطان القولون والمستقيم: حالات غير مرتبطة باضطرابات وراثية موروثة وتظهر عادة بعد سن 50، وتُوصف بأنها حالات متوسطة العمر أو متفرقة، وحالات تُشخّص قبل سن 50 ويُشار إليها باسم سرطان القولون والمستقيم المبكر. وخلال العقود الثلاثة الماضية، تراجعت معدلات التشخيص والوفيات في النوع الذي يظهر عادة بعد الخمسين، بينما ارتفعت حالات النوع المبكر بشكل حاد خلال الفترة نفسها.

    ومنذ عام 2020، باتت حالات سرطان القولون والمستقيم المبكر تمثل نحو 12% من إجمالي الحالات في الولايات المتحدة، بحسب ما تذكره الدراسة. ورغم هذا الارتفاع، ظل السبب البيولوجي الدقيق غير محسوم. وبينما ركزت أبحاث سابقة على عوامل نمط الحياة والسمنة والتعرضات البيئية التي قد تقود إلى التهاب الأمعاء المزمن، بقيت الحلقة التي تشرح كيف يترجم الالتهاب إلى تغيّر يدفع السرطان إلى الظهور المبكر غير مفهومة بما يكفي لدى الباحثين.

    كيف يمكن للالتهاب المزمن أن يغيّر نسيج القولون؟

     

    تنطلق فرضية الدراسة من أن الالتهاب المستمر لا يقتصر على أعراض عابرة، بل قد يقود إلى تندّب يبدّل بنية النسيج ببطء ويزيد صلابته مع الوقت. يمكن تخيل التندّب هنا كأنه طبقة إصلاح تتكرر فوق النسيج الطبيعي بعد الضرر، فتجعل المنطقة أقل مرونة من المعتاد.

    هذا التغير في المرونة ليس تفصيلًا ميكانيكيًا فقط، بل قد يؤثر أيضًا على طريقة تواصل الخلايا مع محيطها. الباحثون حاولوا اختبار ما إذا كانت هذه العملية قد تكون جزءًا من مسار سرطان القولون والمستقيم المبكر، بحيث تصبح صلابة القولون نفسها عاملًا يساعد المرض على التقدم بدل أن تكون مجرد نتيجة لاحقة له.

    لماذا يصيب سرطان القولون الشباب بشكل متزايد؟
    هل الالتهاب المزمن يمهّد لسرطان القولون المبكر؟

    صلابة القولون قد تظهر قبل اكتمال تشكّل السرطان

     

    اعتمد الباحثون على تحليل أنسجة قولون من مرضى خضعوا لجراحة إزالة أورام، مع مقارنة بين عينات من حالات ظهرت بعد سن 50 وأخرى ظهرت قبل سن 50. شملت الدراسة 19 عينة من مرضى الحالات المتوسطة و14 عينة من مرضى السرطان المبكر، واحتوت كل عينة على نسيج الورم ونسيج قريب غير سرطاني.

    النتيجة اللافتة أن أنسجة مرضى السرطان المبكر كانت أكثر صلابة بشكل واضح مقارنة بأنسجة المرضى الأكبر سنًا، ليس داخل الورم وحده، بل أيضًا في المناطق المحيطة التي تبدو سليمة. هذا النمط يدعم احتمالًا مهمًا في نظر الفريق، وهو أن زيادة الصلابة قد تبدأ قبل أن يكتمل تشكّل السرطان، أي أنها قد تكون جزءًا من البيئة التي تهيّئ الطريق للمرض لدى فئة تُوصف عادة بأنها سرطان القولون عند الشباب.

    تندّب الكولاجين يفسر زيادة الصلابة

     

    لفهم سبب الصلابة، فحص الفريق الكولاجين، وهو بروتين بنيوي يزداد عادة أثناء التندّب وتتغير خصائصه. ووجد الباحثون أن أنسجة السرطان المبكر احتوت على كولاجين أكثر كثافة، وأطول، وأكثر نضجًا، وبمحاذاة أكثر انتظامًا مقارنة بحالات ما بعد الخمسين. هذه السمات تُعد مؤشرات قوية على تندّب الكولاجين بشكل واسع داخل أنسجة القولون لدى المصابين بسرطان مبكر.

    وعند تحليل نشاط الجينات، ظهرت مستويات أعلى من تعبير الجينات المرتبطة باستقلاب الكولاجين وتكوّن الأوعية الدموية والالتهاب في عينات السرطان المبكر. بشكل عام، تدعم هذه النتائج فكرة أن التهاب الأمعاء المزمن قد يدفع النسيج نحو تندّب يزيد صلابة القولون ويخلق ظروفًا أكثر ملاءمة لنمو السرطان.

    كيف تغيّر الصلابة سلوك الخلايا السرطانية؟

     

    ركزت الدراسة أيضًا على مسار مرتبط بعملية تُعرف بتحويل الإشارات الميكانيكية (mechanotransduction). هذه العملية تعني أن الخلية تستطيع استشعار القوى الفيزيائية مثل الصلابة والشد، ثم تحويلها إلى إشارات كيميائية تغيّر سلوكها. مثال مبسط على ذلك أن الخلية قد تتصرف بصورة مختلفة إذا كانت في بيئة لينة مقارنة ببيئة صلبة، حتى لو كانت الخلية نفسها.

    الباحثون رصدوا نشاطًا أعلى في مسار مرتبط بهذه العملية، ما يشير إلى أن خلايا السرطان في الحالات المبكرة قد تعدّل سلوكها وفق درجة صلابة النسيج حولها. ثم جاءت التجارب المخبرية لتدعم ذلك، إذ تكاثرت خلايا سرطان القولون والمستقيم بسرعة أكبر عندما نُمّيت على أسطح أكثر صلابة، كما زادت الصلابة أكثر. كذلك نمت نماذج ثلاثية الأبعاد من خلايا السرطان بحجم أكبر وبوتيرة أسرع عندما وُضعت في بيئات أكثر صلابة.

    هل يمكن كشف سرطان القولون المبكر عبر صلابة الأنسجة؟
    كيف تغيّر صلابة القولون خطر الإصابة بالسرطان؟

    كيف يمكن تطبيق النتائج في الفحص والعلاج؟

     

    تشير الدراسة إلى مسارين يمكن البناء عليهما عمليًا. المسار الأول يتعلق بالكشف المبكر، إذ تقترح النتائج أن قياس صلابة القولون قد يصبح مؤشرًا مبكرًا لسرطان القولون والمستقيم المبكر وربما سرطان المستقيم ضمن هذا النطاق لدى بعض الأصغر سنًا. الفكرة أن أدوات تشخيص مصممة لقياس صلابة الأمعاء قد تساعد يومًا ما في تحديد أشخاص أكثر عرضة للخطر قبل أن تصبح التغيرات السرطانية واضحة بالكامل، بطريقة تكمل أساليب الفحص المعروفة.

    أما المسار الثاني فيتعلق بالعلاج الموجه. فبما أن الدراسة تربط صلابة النسيج بمسارات تحويل الإشارات الميكانيكية داخل الخلايا، فإن استهداف هذه المسارات قد يبطئ أو يوقف تطور السرطان، وهو نهج تشير الدراسة إلى أنه قيد الاستكشاف بالفعل في سرطانات أخرى. مثال تطبيقي ضمن هذا التصور أن التدخل العلاجي لا يركز فقط على الخلايا السرطانية، بل يحاول أيضًا تقليل تأثير البيئة الصلبة التي تساعدها على النمو والتكاثر.

    تم نسخ الرابط