رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
07:51 م calendar السبت 11 يوليو 2026

المحيط الجنوبي يسخن: ماذا يعني ذلك لأنتاركتيكا؟

بعيدًا عن الأنظار، تحدث تغيرات في أعماق المحيط قد تكون أكثر تأثيرًا من ذوبان الجليد السطحي على مستقبل مستوى سطح البحر

حرارة المحيط العميق
حرارة المحيط العميق حول أنتاركتيكا تقترب من الجليد

    ملخص

    تحول غير مرئي قد يغيّر ملامح الكوكب، ففي تحليل علمي واسع نُشر في Communications Earth & Environment، كشف باحثون من جامعة كامبريدج وجامعة كاليفورنيا أن حرارة المحيط العميق حول أنتاركتيكا بدأت تقترب فعليًا من الجروف الجليدية، بعد أن ظلت لسنوات مجرد توقعات في النماذج المناخية.
    استندت الدراسة إلى دمج بيانات امتدت لأربعة عقود، جمعت بين قياسات السفن البحثية وعوامات أرغو، باستخدام تقنيات التعلم الآلي لإعادة بناء صورة دقيقة لتغيرات المحيط الجنوبي. وأظهرت النتائج أن المياه العميقة الدافئة، المعروفة باسم circumpolar deep water، توسعت تدريجيًا واقتربت من الجرف القاري، مما يزيد احتمالات ذوبان الجروف الجليدية في أنتاركتيكا من الأسفل.
    هذا التغير يضعف الحاجز الطبيعي من المياه الباردة الذي كان يحمي الجليد، ويجعل الغطاء الجليدي أكثر عرضة للانهيار التدريجي. ومع احتواء أنتاركتيكا على كميات هائلة من الجليد القادرة على رفع مستوى سطح البحر عالميًا، فإن هذا التحول لا يقتصر على القارة، بل يمتد تأثيره إلى النظام المناخي العالمي، بما يشمل توزيع الحرارة والكربون والتيارات البحرية الكبرى مثل دوران الانقلاب الأطلسي.

    هل يسرّع المحيط العميق انهيار الجروف الجليدية؟
    كيف تؤثر حرارة المحيط العميق على أنتاركتيكا؟

    بينما يركز العالم على ذوبان الجليد السطحي، يحدث تحول خفي في الأسفل، إذ تقترب حرارة المحيط العميق حول أنتاركتيكا من الجروف الجليدية بطريقة قد تغير موازين المناخ.

    تغير خفي في المحيط الجنوبي يقترب من جليد أنتاركتيكا

     

    في أعماق المحيط الجنوبي، بعيدًا عن المشهد الجليدي الظاهر حول أنتاركتيكا، تتحرك كتلة من المياه الدافئة نسبيًا باتجاه القارة. قد لا يظهر هذا التحول بوضوح على سطح المحيط، لكنه قد يترك أثرًا كبيرًا على الجروف الجليدية التي تحيط بأنتاركتيكا وتساعد على تثبيت الغطاء الجليدي الداخلي.

    لتفسير هذا التغير الذي طالما أشارت إليه النماذج المناخية، قاد باحثون من جامعة كامبريدج (University of Cambridge)، بالتعاون مع زملاء من جامعة كاليفورنيا (University of California)، دراسة كبرى نُشرت في Communications Earth & Environment. واعتمد الفريق على عقود من بيانات المحيط، جمعتها سفن بحثية وأدوات روبوتية عائمة، ليكشف أن كتلة واسعة من المياه العميقة الدافئة حول القطب الجنوبي، المعروفة باسم circumpolar deep water، تمددت خلال العقدين الماضيين واقتربت تدريجيًا من الجرف القاري لأنتاركتيكا.

    أول دليل مباشر على تحرك حرارة المحيط العميق نحو أنتاركتيكا

     

    كان العلماء يتوقعون منذ سنوات أن يدفع الاحترار العالمي مزيدًا من حرارة المحيط العميق نحو أنتاركتيكا، لكن نقص البيانات المتصلة جعل تأكيد هذا الاتجاه أمرًا صعبًا. ومع هذه الدراسة، بدأت القياسات نفسها تعرض ما كانت النماذج تتوقعه، لا بوصفه احتمالًا بعيدًا، بل كتغير جارٍ بالفعل في المحيط الجنوبي.

    وأوضح جوشوا لانهام (Joshua Lanham)، المؤلف الرئيسي للدراسة من علوم الأرض في كامبريدج، أن هذا التحول مقلق لأن المياه الدافئة يمكن أن تتسلل أسفل الجروف الجليدية في أنتاركتيكا، فتذيبها من الأسفل وتضعف استقرارها. وتعمل هذه الجروف كحواجز طبيعية تبطئ اندفاع الأنهار الجليدية والغطاء الجليدي الداخلي نحو البحر.

    وتزداد أهمية هذه النقطة لأن الكتل الجليدية في أنتاركتيكا تحتوي مجتمعة على كمية من المياه تكفي، إذا ذابت، لرفع مستوى سطح البحر عالميًا بنحو 58 مترًا. لذلك فإن ذوبان الجروف الجليدية في أنتاركتيكا لا يخص القارة وحدها، بل يرتبط أيضًا بمستقبل السواحل وارتفاع مستوى سطح البحر حول العالم.

    كيف أعادت البيانات بناء صورة المحيط خلال أربعين عامًا

     

    في الماضي، اعتمد العلماء بدرجة كبيرة على رحلات السفن البحثية في المحيط الجنوبي. وكانت هذه الرحلات تُجرى عادة مرة كل عشر سنوات تقريبًا، وتوفر قياسات دقيقة لدرجة الحرارة والملوحة والمغذيات. لكنها كانت تترك فترات طويلة بلا قياسات كافية، وهو ما جعل تتبع انتقال الحرارة في المحيط عبر الزمن أكثر صعوبة.

    ولسد هذه الفجوة، جمع الباحثون هذه السجلات الطويلة مع بيانات شبكة عالمية من الأدوات العائمة ذاتية التشغيل، المعروفة باسم عوامات أرغو (Argo floats). هذه العوامات تنجرف في المحيط وتقيس ظروف الطبقات العليا من المحيط بوتيرة أكثر انتظامًا، رغم أن فترة عملها أقصر من سجلات السفن التاريخية.

    وباستخدام تقنيات التعلم الآلي، دمج الفريق بيانات العوامات مع الأنماط التي ظهرت في قياسات السفن. ومن خلال هذا الدمج، تمكن الباحثون من بناء سجل شهري مفصل لحالة المحيط على مدى أربعين عامًا، وهو السجل الذي أظهر الاقتراب التدريجي للمياه الدافئة من أنتاركتيكا.

    الحاجز البارد حول الجروف الجليدية يضعف

     

    كانت الجروف الجليدية في الماضي محمية بطبقة من المياه الباردة، تحد من وصول الحرارة إليها من الأسفل. لكن الدراسة تشير إلى أن دوران المحيط تغيّر، وأن هذا الحاجز البارد لم يعد يحافظ على دوره بالطريقة نفسها مع تمدد المياه العميقة الدافئة واقترابها من القارة.

    شبّهت البروفيسورة سارة بيركي (Sarah Purkey)، وهي من كبار مؤلفي الدراسة من معهد سكريبس لعلوم المحيطات (Scripps Institution of Oceanography)، ما يحدث بفتح صنبور ساخن داخل حوض كان باردًا. التشبيه بسيط، لكنه يقرّب الفكرة للقارئ، فالجروف الجليدية التي كانت محاطة بمياه باردة أصبحت أكثر عرضة لمياه أدفأ يمكن أن تذيبها من الأسفل.

    ومع اقتراب هذه المياه من القارة، يصبح ذوبان الجروف الجليدية في أنتاركتيكا من الأسفل خطرًا أكبر على استقرار الغطاء الجليدي الداخلي. ويعني ذلك أن ذوبان الجليد من الأسفل في أنتاركتيكا لم يعد مجرد تفصيل محلي في نظام جليدي بعيد، بل جزء من تغير أوسع في طريقة تفاعل المحيط مع القارة.

    وأوضحت بيركي أن هذا التوسع في المياه الدافئة يتماشى مع ما يتوقعه العلماء في عالم يزداد دفئًا، فالمحيطات تمتص أكثر من 90 بالمئة من الحرارة الزائدة الناتجة عن الاحترار العالمي، ويأخذ المحيط الجنوبي نصيبًا كبيرًا من هذه الحرارة.

    حرارة المحيط العميق حول أنتاركتيكا تقترب من الجليد
    هل يسرّع المحيط العميق ذوبان جليد أنتاركتيكا؟

    لماذا يهم تغير المحيط الجنوبي المناخ العالمي؟

     

    لا تتوقف آثار هذا التحول عند جليد أنتاركتيكا. فالمحيط الجنوبي يؤدي دورًا محوريًا في تنظيم تخزين الحرارة والكربون على مستوى الكوكب، وأي تغير في توزيع الحرارة داخله يمكن أن ينعكس على نظام المناخ العالمي. وبهذا المعنى، يربط الاكتشاف بين المحيط الجنوبي وتغير المناخ على مستوى أعمق من مجرد ذوبان الجليد.

    وقال البروفيسور علي مشايك (Ali Mashayek)، أحد كبار مؤلفي الدراسة من علوم الأرض في كامبريدج، إن تغير توزيع الحرارة في المحيط الجنوبي يحمل دلالات أوسع لطريقة دوران الكربون والمغذيات والحرارة في المحيط العالمي.

    قرب القطبين، تتكون مياه شديدة البرودة والكثافة وتهبط إلى أعماق المحيط. ومع هبوطها، تسحب معها الحرارة والكربون والمغذيات إلى الأسفل، وتساعد على تشغيل نظام عالمي واسع من التيارات البحرية يشبه حزامًا ناقلًا. ومن بين أشهر أجزاء هذا النظام دوران الانقلاب الأطلسي (Atlantic Meridional Overturning Circulation, AMOC)، وهو تيار واسع يساعد على تحريك المياه عبر المحيط الأطلسي.

    سيناريو مناخي بدأ يظهر في القياسات

     

    تشير النماذج المناخية، ومنها النماذج التي تستخدمها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، إلى أن ارتفاع حرارة الهواء وزيادة المياه العذبة الناتجة عن ذوبان الجليد يقللان بالفعل تكوّن المياه الباردة الكثيفة في شمال الأطلسي. وقد يؤدي هذا المسار إلى إضعاف دوران الانقلاب الأطلسي.

    وتتوقع النماذج أن تحدث تحولات مشابهة في المحيط الجنوبي. فإذا تكوّنت كميات أقل من المياه الباردة الكثيفة حول أنتاركتيكا، يصبح المجال أكثر ملاءمة لاقتراب المياه العميقة الدافئة من القارة وملء الفراغ.

    ومع تراكم القياسات الجديدة، بدأت هذه الصورة تخرج من حدود النماذج إلى واقع ترصده الأدوات في البحر. فقد قال لانهام إن الباحثين أصبحوا يرون هذا النمط في البيانات الفعلية، وهو ما يعني أن التغير بدأ بالفعل، مع تداعيات محتملة على كيفية انتقال الكربون والمغذيات والحرارة في المحيط العالمي.

    ما الذي تعنيه النتائج لمستقبل الجليد وارتفاع مستوى سطح البحر؟

     

    تلفت الدراسة إلى أن ما يهدد جليد أنتاركتيكا لا يأتي من الجو وحده، بل من الأعماق أيضًا. فحرارة المحيط العميق تتحرك ببطء نحو الجروف الجليدية، وكلما اقتربت هذه المياه من القارة، زادت احتمالات الذوبان من الأسفل وضعفت الحواجز التي تساعد على تثبيت الغطاء الجليدي الداخلي.

    ولا تزال تفاصيل كثيرة بحاجة إلى متابعة، لكن القياسات الجديدة تجعل التعامل مع هذا التحول كاحتمال بعيد أمرًا أصعب من قبل. فالمحيط الجنوبي لا يخزن الحرارة والكربون فحسب، بل يشارك في تنظيم حركة المياه العميقة على مستوى الكوكب. وإذا تغيّر هذا الدور، فإن الأثر قد يمتد من جليد أنتاركتيكا إلى ارتفاع مستوى سطح البحر عالميًا، وإلى الطريقة التي يعاد بها توزيع الحرارة والكربون في المحيطات.

    أسئلة شائعة (FAQ):

     

     ##ما سبب ارتفاع حرارة المحيط العميق حول أنتاركتيكا؟

    يرتبط ذلك بالاحترار العالمي، حيث تمتص المحيطات معظم الحرارة الزائدة، مما يؤدي إلى تسخين المياه العميقة تدريجيًا.

    ## كيف يؤدي المحيط العميق إلى ذوبان الجليد في أنتاركتيكا؟

    تتسلل المياه الدافئة تحت الجروف الجليدية، فتذيبها من الأسفل وتضعف بنيتها، مما يزيد خطر انهيارها.

    ## ما تأثير ذوبان الجليد في القطب الجنوبي على مستوى سطح البحر؟

    يساهم ذوبان الجليد في زيادة كمية المياه في المحيطات، مما يؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر عالميًا.

    ## لماذا يعتبر المحيط الجنوبي مهمًا في تغير المناخ؟

    لأنه يخزن كميات كبيرة من الحرارة والكربون، ويلعب دورًا رئيسيًا في تنظيم التيارات البحرية العالمية.

    تم نسخ الرابط