ابتكار ياباني يفتح آفاقاً جديدة للكشف عن تسريبات غاز الهيدروجين بأعلى دقة
باستخدام تقنية طيف الامتصاص الليزري، فريق من جامعة تشيبا يحل تحديات الكشف عن تسريبات الهيدروجين، مما يسهم في تعزيز الأمان في تطبيقات الوقود النظيف..
تشير دراسة حديثة أجراها فريق بحثي من جامعة تشيبا اليابانية إلى تطوير تقنية متقدمة للكشف عن تسريبات غاز الهيدروجين باستخدام تكنولوجيا طيف امتصاص الليزر ذو الصمام الثنائي القابل للتعديل (TDLAS). تواجه عمليات الكشف عن الهيدروجين تحديات كبيرة بسبب ضعف امتصاصه للأشعة تحت الحمراء، ما يجعل قياسه الدقيق معقدًا. نجح الفريق البحثي في تحسين معايير التحكم بالضغط وتعديل النظام، مما أتاح كشف الهيدروجين بتركيزات منخفضة تصل إلى 0.01%. يُعد هذا الابتكار خطوة مهمة نحو تعزيز الأمان في تطبيقات الهيدروجين المختلفة، مثل السيارات الهيدروجينية، ويفتح الآفاق لتوسيع استخدام الهيدروجين كوقود نظيف ومستدام.

الهيدروجين: وقود المستقبل وتحديات الكشف عن التسريبات
أصبح غاز الهيدروجين اليوم من أبرز مصادر الطاقة النظيفة بفضل خصائصه البيئية والعملية، حيث يتميز بوزنه الخفيف وسهولة تخزينه وكثافة طاقته العالية. وقد زادت تطبيقاته بشكل ملحوظ في مجالات عديدة، بدءًا من النقل وتوليد الطاقة وصولاً إلى الصناعات الثقيلة. ومن أهم ميزاته أن احتراقه لا يخلّف انبعاثات ضارة، ما يجعله خيارًا جذابًا في عصر يتجه نحو تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. ومع ذلك، يعتبر الهيدروجين مادة قابلة للاشتعال الشديد، مما يجعل سلامة استخدامه تحديًا حقيقيًا يتطلب تقنيات دقيقة للكشف عن تسريباته.
تحديات تقنيات الكشف عن غاز الهيدروجين
تعتبر طرق الكشف عن الهيدروجين القائمة حاليًا محدودة الفاعلية، حيث تواجه عقبات في تحقيق الأداء المثالي. ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى ضعف امتصاص الهيدروجين للأشعة تحت الحمراء، ما يجعل من الصعب اكتشاف تركيزات منخفضة منه. أحد الابتكارات الواعدة في هذا السياق هو استخدام تكنولوجيا طيف امتصاص الليزر ذو الصمام الثنائي القابل للتعديل (TDLAS)، والتي تعتمد على مرور ضوء الليزر عبر الغاز المستهدف لكشف “خطوط امتصاص” مميزة. تتميز تقنية TDLAS بالقدرة على الكشف عن الغاز من مسافات بعيدة، وتحديده بشكل دقيق وسريع، فضلاً عن تكلفتها الاقتصادية. ولكن تظل المشكلة قائمة عند استخدام TDLAS مع الهيدروجين بسبب ضعف امتصاصه في منطقة الأشعة تحت الحمراء.
ابتكار ياباني لحل مشكلة قياس تركيزات الهيدروجين
بهدف حل هذه المشكلة، قام فريق بحثي من جامعة تشيبا بقيادة الأستاذ المشارك تاتسو شينا بتطوير تقنية دقيقة تعتمد على تحسين التحكم في الضغط وتعديل النظام. اشتمل الفريق على باحثين بارزين مثل عليفو شيافوكايتى ونوفيل لاغروساس من جامعة تشيبا، وإيبي آساهي من معهد شيكوكو للأبحاث، وشغيرو ياماغوتشي من جامعة توكاي. وقد نُشرت نتائج هذا البحث في مجلة Optics and Laser Technology، مع توقع نشرها مطبوعة في عدد يناير 2025.
التحكم الدقيق في ضغط النظام لتحسين أداء TDLAS
استندت التقنية الجديدة إلى تحسين معايير الضغط في نظام TDLAS، حيث يتم تمرير الليزر عبر خلية غازية مضغوطة تُسمى خلية مرور متعدد من نوع Herriott (HMPC) التي تحتوي على غاز الهيدروجين. من خلال ضبط الضغط في هذه الخلية، استطاع الفريق توسيع نطاق امتصاص الهيدروجين وزيادة فعالية النظام في الكشف عن الغاز. كما تم تطوير النظام ليعمل بدون معايرة مستمرة، مما يزيد من كفاءته ويقلل من الحاجة للتعديلات الدورية.
تحليل خط الامتصاص ودقة الكشف العالية
تمكن الباحثون من تحسين دقة الكشف من خلال تحليل خط الامتصاص للهيدروجين عند ضغوط مختلفة، واستنتجوا الضغط الأمثل الذي يوسع عرض خط الامتصاص ويساهم في تحسين معايير التعديل. اعتمد النظام الجديد على استخدام التوافق الأول للإشارة المُعدّلة بدلاً من الاعتماد على التوافق الثاني فقط، مما ألغى الحاجة إلى معايرة النظام باستمرار.
توسيع نطاق الكشف عن الهيدروجين بدقة عالية
حقق النظام الجديد دقة فائقة في الكشف عن تركيزات الهيدروجين ضمن نطاق واسع يتراوح بين 0.01% و100%. وقد بلغت دقة الكشف حدًا متميزًا عند 0.3% بمدة تكامل تبلغ 0.1 ثانية، وتزايدت هذه الدقة لتصل إلى 0.0055% بمدة تكامل قدرها 30 ثانية، ما يعادل حوالي 55 جزء في المليون (ppm). يتيح هذا النظام إمكانية استخدامه في بيئات متعددة تضمن السلامة وتحقق استمرارية المراقبة في التطبيقات التي تتطلب دقة عالية، مثل أنظمة الوقود في المركبات الهيدروجينية.
التطبيقات المستقبلية لتعزيز الأمان في استخدامات الهيدروجين
أكد الأستاذ تاتسو شينا على أن هذا النظام سيحدث نقلة نوعية في أنظمة الكشف عن الهيدروجين، مشيرًا إلى أن النظام يمكن تطبيقه في مراقبة تسريبات الهيدروجين لضمان الأمان في مجالات عديدة، أبرزها المركبات العاملة بخلايا الوقود الهيدروجينية. وتُعد هذه التقنية خطوة مهمة نحو تعزيز الأمان في استخدام الهيدروجين، مما سيسهم في تسريع تبني هذا الوقود المستدام على نطاق واسع.
السياق العالمي والحاجة إلى حلول بديلة في ظل ارتفاع التحديات البيئية
في ظل السعي العالمي للتقليل من الانبعاثات الكربونية والاعتماد على مصادر طاقة نظيفة ومستدامة، يأتي الهيدروجين كأحد الخيارات الواعدة. إلا أن العقبات التقنية التي تواجه استخدامه تستدعي الابتكار والتطوير المستمر، خصوصًا في مجال الكشف عن التسريبات. يتطلع المجتمع العلمي إلى توسيع نطاق الأبحاث لضمان استخدام آمن وفعال للهيدروجين، ويعتبر النظام المطور في جامعة تشيبا بمثابة إضافة نوعية لتحقيق هذا الهدف.
الفوائد البيئية والاقتصادية لاستخدام الهيدروجين كوقود مستدام
يعتبر الهيدروجين مصدر طاقة نظيف يتميز بانعدام انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عند احتراقه، مما يجعله خيارًا ممتازًا للمساعدة في تقليل آثار التغير المناخي. كما أن الاعتماد على الهيدروجين سيساهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، مما يعزز من الاستقلالية الطاقوية ويقلل من التأثيرات البيئية السلبية الناجمة عن الوقود التقليدي.
الخطوات المستقبلية في تطوير تقنيات الهيدروجين
بالرغم من الإنجازات الكبيرة في مجال استخدام الهيدروجين كوقود، لا يزال هناك العديد من التحديات التقنية التي تتطلب حلولاً مبتكرة لضمان الاستخدام الآمن والفعال. ومن المتوقع أن يكون للتقنيات المتقدمة مثل TDLAS دور أساسي في مراقبة استخدام الهيدروجين وتحقيق أمانٍ أكبر في تطبيقاته.
تأتي هذه الدراسة في توقيت حاسم لدعم الاستخدام المتزايد للهيدروجين كمصدر طاقة نظيف وآمن. وقد نجح فريق جامعة تشيبا في تطوير تقنية جديدة تعزز من دقة وكفاءة أنظمة الكشف عن الهيدروجين باستخدام الليزر. ويعكس هذا الابتكار مدى الحاجة إلى التعاون العلمي والبحثي لضمان حلول مستدامة تساهم في بناء مستقبل طاقوي أكثر أمانًا وفعالية، مع توفير حماية بيئية متكاملة.




