الرصاص في الوقود: تأثيرات نفسية مستمرة على الأجيال الأمريكية
دراسة جديدة تكشف كيف أن التعرض للرصاص في وقود السيارات قد يكون سببًا رئيسيًا لاضطرابات الصحة النفسية طويلة الأمد للأجيال الأمريكية.
نشرت دراسة حديثة في مجلة "Child Psychology and Psychiatry" تكشف عن التأثيرات النفسية العميقة الناتجة عن التعرض للرصاص في وقود السيارات. وفقًا للباحثين، تسبب هذا التعرض في زيادة اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب، القلق، وفرط النشاط بين الأطفال الأمريكيين الذين تعرضوا له منذ الطفولة. على الرغم من الحظر الذي فُرض على الوقود المحتوي على الرصاص في 1996، إلا أن الأجيال التي نشأت في السبعينيات والثمانينيات تعاني من عواقب صحية ونفسية على المدى الطويل، مع زيادة في معدلات العصبية وانخفاض مستويات الذكاء. الدراسة توضح أيضًا أهمية البحث المستمر لفهم تأثير الرصاص والعمل على الوقاية للأجيال المستقبلية.

دراسة حديثة تكشف تأثير وقود السيارات المحتوي على الرصاص على الصحة النفسية للأجيال الأمريكية
دراسة جديدة في مجلة Child Psychology and Psychiatry تسلط الضوء على التأثيرات النفسية طويلة الأمد الناتجة عن تعرض الأطفال في الولايات المتحدة لعوادم السيارات التي تحتوي على الرصاص. وقام بهذه الدراسة الباحث آرون روبن، زميل ما بعد الدكتوراه في علم النفس العصبي بجامعة ديوك، بالتعاون مع زملاء من جامعة ولاية فلوريدا.
تاريخ إضافة الرصاص إلى الوقود وتأثيراته
في عام 1923، بدأ استخدام الرصاص في وقود السيارات بهدف تحسين أداء المحركات والحفاظ على كفاءتها. ومع ذلك، كان هذا التحسن الميكانيكي على حساب صحة الإنسان بشكل كبير. تُظهر الدراسة أن التعرض للرصاص من عوادم السيارات أثناء الطفولة أدى إلى خلل في الصحة النفسية للأجيال الأمريكية، مما جعل أعدادًا كبيرة من الناس يعانون من الاكتئاب والقلق وفرط النشاط أو تشتت الانتباه.
ووفقًا لتقديرات الباحثين، فإن التعرض للرصاص تسبب في حوالي 151 مليون حالة اضطراب نفسي خلال الـ 75 عامًا الماضية. وتشير النتائج إلى أن الأمريكيين الذين ولدوا قبل عام 1996 تعرضوا لمستويات أعلى من المشكلات النفسية بسبب الرصاص، مما أثر أيضًا على شخصياتهم وجعلهم أقل مرونة وقدرة على تحقيق النجاح في الحياة.
حظر الرصاص في الوقود وتداعياته
تم حظر استخدام الوقود المحتوي على الرصاص في الولايات المتحدة عام 1996. ومع ذلك، فإن الأفراد الذين ولدوا قبل هذا التاريخ، خاصة خلال ذروة استخدام هذا النوع من الوقود في الستينيات والسبعينيات، تعرضوا لمستويات مقلقة من الرصاص خلال طفولتهم.
يُذكر أن الرصاص مادة سامة للجهاز العصبي يمكن أن تدمر خلايا الدماغ وتغير وظائفه بعد دخولها إلى الجسم، ويؤكد الخبراء أنه لا يوجد مستوى آمن للتعرض للرصاص في أي مرحلة من الحياة. الأطفال الصغار هم الأكثر عرضة لتأثيراته الضارة، التي تؤثر على نمو الدماغ وصحته.
إجراءات حديثة لمعالجة المشكلة
رغم الحظر، لا تزال بعض المدن الأمريكية تعاني من آثار الرصاص. ففي أكتوبر الماضي، أصدرت وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) لوائح تُلزم المدن بتحديد واستبدال الأنابيب المحتوية على الرصاص خلال عشر سنوات، مع تخصيص 2.6 مليار دولار لتنفيذ هذا المشروع. كما خفضت الوكالة مستويات الرصاص في التربة التي تعتبر خطرة، مما يعني أن حوالي ربع المنازل في الولايات المتحدة قد تحتاج إلى معالجة التربة المحيطة بها.
الرصاص وتأثيره على الصحة النفسية والاجتماعية
تُظهر الدراسات أن التعرض للرصاص على مدى القرن الماضي كان واسع الانتشار بسبب استخدامه في الطلاء والأنابيب واللحام، والأكثر ضررًا في وقود السيارات. وقد ارتبط التعرض للرصاص بمشكلات النمو العصبي والنفسي مثل اضطرابات السلوك وفرط النشاط والاكتئاب. إلا أن الدراسة الجديدة كانت أول من قدر مدى انتشار هذه الأعراض النفسية نتيجة التعرض للرصاص.
باستخدام بيانات تاريخية عن مستويات الرصاص في الدم لدى الأطفال الأمريكيين ومعدلات استخدام الوقود المحتوي على الرصاص، حدد الباحثون الأعباء النفسية والصحية التي تحملها الأمريكيون المولودون حتى عام 2015. ووجدوا أن التعرض للرصاص أدى إلى زيادة كبيرة في معدلات الاضطرابات النفسية بين الأجيال، وأيضًا تغيرات على مستوى الشخصية الوطنية مثل ارتفاع مستويات العصبية وانخفاض مستويات الضمير.

نتائج مقلقة لجيل كامل
بحلول عام 2015، أكثر من 170 مليون أمريكي – أي أكثر من نصف سكان الولايات المتحدة – كانت لديهم مستويات مقلقة من الرصاص في الدم خلال طفولتهم. ونتيجة لذلك، تأثرت معدلات ذكائهم وارتفعت معدلات المشكلات النفسية والصحية الأخرى، مثل زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب على المدى الطويل.
وجدت الدراسة أن الاستهلاك الكبير للوقود المحتوي على الرصاص في الستينيات والسبعينيات أدى إلى تعرض شبه مؤكد لجميع المولودين خلال تلك الفترة لمستويات ضارة من الرصاص. وتشير النتائج إلى أن "جيل إكس" (المولود بين 1965 و1980) كان الأكثر تضررًا نفسيًا وصحيًا نتيجة هذه الظاهرة.
تصريحات الباحثين
صرّح روبن بأن "التعرض للرصاص خلال العقود الماضية – حتى تلك التي مرت منذ زمن بعيد – لا يزال يؤثر على صحتنا اليوم." وأكد أن الخطوة المقبلة يجب أن تتمثل في فهم دور الرصاص بشكل أفضل في التأثير على صحة الأفراد والمجتمع في الولايات المتحدة، وضمان حماية الأجيال الحالية من أي تعرضات جديدة للرصاص.
وأضاف روبن أن التأثيرات النفسية الناتجة عن التعرض للرصاص غالبًا ما تكون شبيهة بحمى منخفضة الدرجة؛ قد لا تكون خطيرة بما يكفي لطلب المساعدة الطبية، ولكنها تؤثر سلبًا على نوعية الحياة بشكل طفيف ومستمر.
الرصاص والتغيرات الوطنية في الشخصية
أظهرت الدراسة أيضًا أن تأثير الرصاص امتد ليشمل تغيرات على مستوى الشخصية الوطنية، مع تقدير الباحثين لزيادة في العصبية وانخفاض في الضمير لدى السكان الأمريكيين. ويشير مايكل مكفارلاند، أحد الباحثين المشاركين، إلى أن الرصاص قد "سرق" أكثر من 824 مليون نقطة ذكاء من الأمريكيين على مدار القرن الماضي.
واختتم روبن بقوله: "مهمتنا الآن هي فهم التأثيرات الطويلة الأمد للرصاص والعمل على تقليل خطره على الأجيال القادمة."




