سوريا أمام منعطف تاريخي.. عودة اللاجئين وعدالة انتقالية وزيارة أممية غير مسبوقة لكشف الانتهاكات
في ظل زيارة أممية تاريخية، تواجه سوريا تحديات عودة اللاجئين، تحقيق العدالة الانتقالية، وكشف مصير المختفين والمفقودين
سوريا على مفترق طرق: عودة اللاجئين، عدالة انتقالية مرتقبة، وزيارة تاريخية للجنة تحقيق أممية لجمع الأدلة عن الانتهاكات والمقابر الجماعية.
تشهد سوريا تطورات حاسمة مع زيارة لجنة تحقيق أممية لأول مرة منذ 2011، حيث زارت مراكز احتجاز ومواقع لمقابر جماعية، ما أثار مخاوف بشأن إتلاف أدلة قد تساهم في تحديد مصير المفقودين. وفي الوقت نفسه، أعلنت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب، عن خطط لعودة اللاجئين على نطاق أوسع، مؤكدة أن تحقيق العدالة الانتقالية سيلعب دورًا حيويًا في دمجهم. وأشارت إلى التحديات المتعلقة بإعادة الإعمار وضمان حقوق السكن والأراضي. كما كشفت منظمة الصحة العالمية عن تدهور البنية التحتية الصحية، بينما أعربت مفوضية الأمم المتحدة عن الحاجة إلى حماية حقوق الإنسان وإرساء العدالة.

عودة اللاجئين السوريين تواجه تحديات هائلة وسط حديث عن عدالة انتقالية شاملة
أكدت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب، أن عودة اللاجئين السوريين ستكون على نطاق أوسع بكثير من المتوقع، لكنها أشارت إلى أن دمجهم في المجتمع المحلي سيتطلب “مهمة ضخمة” بالتوازي مع تحقيق العدالة الانتقالية. جاءت تصريحاتها بعد زيارتها إلى دمشق، حيث التقت بمسؤولين من الحكومة المؤقتة والمجتمع المدني والدبلوماسيين والجهات المانحة. وأوضحت بوب أن السوريين يعبرون عن رغبتهم في العودة إلى ديارهم، لكنهم يواجهون قلقًا من عدم الاستقرار والغموض بشأن المستقبل. وحذرت من أن العودة المبكرة قد تجهد البنية التحتية الهشة وتدفع الأسر إلى النزوح مجددًا، مشيرة إلى أهمية معالجة القضايا الأساسية لضمان استدامة العودة.
رؤية جديدة للحكومة المؤقتة: الانفتاح على المجتمع الدولي وبناء شراكات فعالة
خلال زيارتها، التقت إيمي بوب بمسؤولين من الحكومة المؤقتة، بينهم ممثل عن الشؤون الاجتماعية، الذي أبدى استعداد الحكومة للشراكة مع المجتمع الدولي. وأعرب المسؤول عن التزام حكومته بإعادة بناء سوريا وفتح قنوات التعاون مع الجهات الفاعلة الدولية، مشددًا على أهمية معالجة احتياجات السوريين على جميع المستويات. هذا الموقف يعكس رغبة الحكومة المؤقتة في استعادة الاستقرار وبناء الثقة مع المجتمع الدولي، وهي خطوة يمكن أن تسهم في تعزيز جهود عودة اللاجئين وضمان إعادة اندماجهم بشكل مستدام.
اللجنة الأممية تزور سوريا لأول مرة منذ 2011 وتكشف عن “أدلة خطيرة”
في خطوة تاريخية، زارت لجنة التحقيق الأممية سوريا لأول مرة منذ إنشائها في 2011، حيث قامت بجولات ميدانية في مراكز احتجاز مثل سجن صيدنايا وفرع المخابرات العسكرية 235 (المعروف باسم “فرع فلسطين”). وأعربت اللجنة عن قلقها إزاء إتلاف أدلة هامة تتعلق بالمفقودين، حيث تم حرق مستودعات كبيرة من الوثائق، ما يهدد بعرقلة جهود تحديد مصير المختفين. وأفادت اللجنة بأنها وجدت أدلة على وجود وثائق يمكن إنقاذها، ودعت الحكومة الجديدة إلى إنشاء وحدة متخصصة لحماية المقابر الجماعية وحفظ الوثائق إلى حين فحصها من قبل خبراء دوليين.

الأمم المتحدة تدعو إلى تحقيق العدالة والمساءلة في سوريا
في جنيف، صرّح المتحدث باسم مفوضية حقوق الإنسان، ثمين الخيطان، بأن تحقيق العدالة الانتقالية يعد “فصلًا بالغ الأهمية” في مستقبل سوريا. وأكد أن ضمان المساءلة عن الانتهاكات المرتكبة خلال النزاع ضروري لبناء الثقة المجتمعية.
ودعا الخيطان السلطات المؤقتة إلى اتخاذ خطوات عملية لتعزيز الأمن وضمان محاسبة المسؤولين عن الجرائم، مشددًا على ضرورة تمكين النساء والأطفال والمجتمعات العرقية والدينية المتنوعة من ممارسة حقوقهم كاملة.
البنية التحتية الصحية في سوريا تواجه أزمة عميقة بعد عقد من النزاع
كشفت كريستينا بيثكي، القائمة بأعمال ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا، أن أكثر من نصف المستشفيات في البلاد غير صالحة للعمل، مشيرة إلى تعرض 36 مرفقًا صحيًا للهجمات خلال ثلاثة أسابيع فقط. وأوضحت بيثكي أن فرق منظمة الصحة العالمية زارت المستشفيات في إدلب، حيث التقت بجراحين يعملون دون توقف لإنقاذ الأرواح. وأشارت إلى أن السكان المحليين في إدلب بدأوا بزيارة منازلهم، لكنهم وجدوها تحولت إلى أنقاض. وأبرزت المنظمة جهودها في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال المتضررين، مثل حالة فاطمة، وهي أم لطفلتين تعانيان من كوابيس متكررة نتيجة الصراع.
الصحة النفسية كأولوية في إعادة بناء سوريا
شددت كريستينا بيثكي على أن الصحة العقلية والنفسية ليست ترفًا، بل ضرورة منقذة للحياة في سوريا. وأشارت إلى أن الأطفال المتأثرين بالصراع يحتاجون إلى دعم نفسي، خاصة بعد تعرضهم للكوابيس المتكررة والقلق المستمر.
وأوضحت أن منظمة الصحة العالمية تعمل على دمج خدمات الدعم النفسي في مرافق الرعاية الصحية، مع توفير عيادات متنقلة لضمان وصول النازحين والعائدين إلى الرعاية الصحية الأساسية، بما في ذلك التطعيمات والرعاية الصحية للأمهات.
المجتمع الدولي أمام اختبار حاسم لدعم سوريا في مرحلة العدالة الانتقالية
قال المتحدث باسم مفوضية حقوق الإنسان، ثمين الخيطان، إن بناء الثقة المجتمعية وتحقيق العدالة الانتقالية هما السبيل الوحيد لمعالجة “الألم الذي لا يُقاس” الذي عاشه السوريون لعقود. وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب دعمًا دوليًا قويًا، ودعا السلطات المؤقتة إلى اتخاذ خطوات تضمن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق المعايير الدولية.
وفي هذا السياق، أعلن فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، عن تعيين كارلا كوينتانا رئيسة للمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، مؤكدًا أن هذه الخطوة ستسهم في كشف مصير المختفين والمفقودين. وتشهد سوريا تحولات حاسمة مع زيارة لجنة التحقيق الأممية لأول مرة منذ 2011، وظهور دلائل على وجود مقابر جماعية ووثائق يمكن استخدامها في المحاكمات المستقبلية. في الوقت نفسه، تتسارع التحضيرات لعودة اللاجئين وسط تحديات إعادة الإعمار وضمان العدالة الانتقالية. ومع تدهور البنية التحتية الصحية، يحتاج السوريون إلى دعم دولي شامل، ليس فقط لضمان عودة كريمة وآمنة، بل أيضًا لتثبيت أسس العدالة والمساءلة التي تضمن الاستقرار الدائم في البلاد.




