الكوليرا تنتشر في السودان وسط عجز طبي شامل: اشتداد الصراع يضرب محطات المياه ويُغلق المستشفيات في واحدة من أسوأ الأزمات الصحية في تاريخ البلاد
في ظل استمرار الحرب الأهلية للعام الثالث، منظمات الإغاثة تحذر من انفجار وبائي في السودان بعد مئات الوفيات بالكوليرا وانهيار النظام الصحي في الخرطوم ومناطق أخرى
منظمات دولية تطلق إنذارًا عاجلًا بشأن تدهور الوضع الصحي في السودان، حيث أدى تفشي الكوليرا ونقص اللقاحات إلى مئات الوفيات وسط تصاعد القتال وتوقف البنية التحتية الصحية.
أطلقت منظمات إنسانية كبرى تحذيرات عاجلة من كارثة صحية تلوح في الأفق بالسودان، في وقت يواصل فيه تفشي وباء الكوليرا حصد الأرواح وسط تدهور مروع للبنية التحتية الصحية. مع تسجيل 172 وفاة خلال أسبوع واحد في ولاية الخرطوم، تفاقمت الأزمة بسبب انقطاع الكهرباء عن محطات تنقية المياه نتيجة القصف، ما أجبر الأهالي على استخدام مياه ملوثة. الأوضاع في العاصمة ومناطق الشمال والجنوب خرجت عن السيطرة، وسط نقص حاد في اللقاحات والمستلزمات الطبية. تزامن ذلك مع استمرار الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، التي دمرت المستشفيات وأجبرت الكوادر الطبية على الفرار. التقارير تشير إلى آلاف الحالات المشتبه بها، ما دفع منظمات مثل أطباء بلا حدود ولجنة الإنقاذ الدولية لدق ناقوس الخطر.

البنية التحتية منهارة والكوليرا تتفشى بسرعة مقلقة
سجلت وزارة الصحة السودانية خلال أسبوع واحد فقط 172 وفاة بالكوليرا، معظمها في ولاية الخرطوم، بحسب منشور رسمي على فيسبوك. التقارير القادمة من أطباء محليين تشير إلى أن هجمات بالطائرات المسيّرة أدت إلى انقطاع التيار الكهربائي عن محطات تنقية المياه، ما ترك المواطنين بلا خيار سوى استخدام مصادر مياه ملوثة. في ظل هذا الواقع، تتسارع وتيرة الإصابات في ظل انعدام شبه تام للخدمات الصحية، وتزايد أعداد المرضى الذين لا يجدون أدنى رعاية طبية.
منظمات الإغاثة تدق ناقوس الخطر: الوضع "على شفير الانفجار"
أكدت لجنة الإنقاذ الدولية أن السودان أصبح "على شفا كارثة صحية عامة"، مشيرة إلى أن الحرب الأهلية التي دخلت عامها الثالث تُغذي عودة الأمراض المعدية مثل الكوليرا. وقالت المديرة القُطرية للمنظمة، إيتزاز يوسف، إن نسبة التغطية باللقاحات منخفضة جدًا والإمدادات الطبية الأساسية آخذة في النفاد. وفي وقت تتوالى فيه التحذيرات، يبدو أن المجتمع الدولي لم يتحرك بالسرعة الكافية لاحتواء الأزمة الصحية المتفاقمة.
الخرطوم تغرق في موجة وباء جديدة وسط فرار الأطباء
أطباء بلا حدود، إحدى أبرز المنظمات الطبية العاملة في الأزمات، أكدت تسجيل آلاف الحالات المشتبه بها في العاصمة منذ منتصف الشهر الماضي. منسقها الطبي في السودان، سليمان عمار، صرح بأن "البنية التحتية الصحية مدمرة تمامًا"، مشيرًا إلى أن الخدمات الطبية في بعض أجزاء الخرطوم أصبحت "إما معدومة أو باهظة التكاليف"، ما أدى إلى مغادرة العديد من الكوادر الصحية بسبب القتال. المستشفيات القليلة المتبقية تعمل فوق طاقتها، وتفتقر إلى التجهيزات والأدوية اللازمة لعلاج الحالات الحرجة.

اتساع رقعة الإصابات: الشمال والجنوب في دائرة الخطر
لا تقتصر الإصابات بالكوليرا على الخرطوم، إذ رُصدت حالات في شمال السودان وجنوبه، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية. ورغم أن بعض المصابين قد لا تظهر عليهم أعراض، إلا أن المرض يصبح قاتلاً في حال تطور إلى إسهال حاد، وهو ما يتطلب تدخلًا عاجلًا باستخدام المضادات الحيوية والمحاليل الوريدية، وفقًا لتوصيات منظمة الصحة العالمية. ويأتي ذلك في وقت تجاوزت فيه أعداد القتلى في النزاع المسلح أكثر من 150 ألف شخص، بينما شُرِّد الملايين، ما جعل السودان يعيش ما وصفته الأمم المتحدة بأنه "أسوأ أزمة إنسانية في العالم".
نداءات عاجلة في وجه الصمت الدولي
رغم فداحة الأرقام والصور القادمة من الميدان، لا يزال التدخل الدولي خجولاً مقارنة بحجم المأساة. المنظمات الإنسانية تطالب المجتمع الدولي بضرورة التحرك الفوري لدعم النظام الصحي في السودان وتوفير اللقاحات والمستلزمات الطبية. إذ لم يعد الوضع يتعلّق بكارثة محدودة النطاق، بل بأزمة مفتوحة تهدد ملايين الأرواح في ظل استمرار الحرب، وغياب الاستقرار، وانعدام أدنى مقومات الحياة في المناطق المنكوبة.


