احتجاجات شبابية تُجبر زيلينسكي على التراجع عن قانون مثير للجدل وسط أزمة ثقة بإصلاحات مكافحة الفساد
البرلمان الأوكراني يصوت بإجماع نادر لإلغاء تعديل قانوني أثار موجة غضب في الشارع وتمسك بالهيئات المستقلة
في استجابة سريعة لأكبر احتجاجات شبابية منذ الغزو الروسي، ألغى البرلمان الأوكراني قانونًا حدّ من استقلال هيئات مكافحة الفساد وسط قلق متزايد بشأن مصداقية الإصلاحات الحكومية.
صوت البرلمان الأوكراني لصالح إلغاء قانون مثير للجدل قدمه الرئيس فولوديمير زيلينسكي قبل أيام، بعد موجة احتجاجات شبابية واسعة هزّت الشارع الأوكراني. القانون الذي كان يمنح النائب العام – المعين من قبل الرئيس – صلاحية تحديد القضايا التي يجب ملاحقتها قضائيًا، كان من شأنه إضعاف استقلال "مكتب مكافحة الفساد" و"النيابة المتخصصة بمكافحة الفساد". التراجع جاء بعد تصاعد الغضب الشعبي ودخول دولي على الخط، حيث ربط الاتحاد الأوروبي والداعمون الغربيون استمرار دعمهم المالي لكييف باستمرار الإصلاحات الحقيقية في مجال مكافحة الفساد. الأزمة ألقت بظلالها على صورة زيلينسكي كرمز للإصلاح، وأثارت تساؤلات حول نفوذ مستشاريه المقربين، في وقت تخوض فيه البلاد حربًا شرسة ضد روسيا وتعتمد بشكل كامل على الدعم الدولي لمواصلة القتال والصمود الاقتصادي.

احتجاجات غير مسبوقة تهز المشهد السياسي في كييف
في مشهد غير مألوف منذ بداية الحرب، شهدت المدن الأوكرانية موجة احتجاجات واسعة قادها آلاف من الشباب الغاضبين من تمرير قانون وصفوه بأنه "ضربة لاستقلالية مكافحة الفساد". المتظاهرون رفعوا شعارات مثل "ارفعوا أيديكم عن نابو وساب"، في إشارة إلى المكتب الوطني لمكافحة الفساد والنيابة المتخصصة التابعة له. داخل البرلمان، حمل بعض النواب لافتات تضامن مع المحتجين كرسالة رمزية قبل أن يصوّتوا بالإجماع تقريبًا على إلغاء القانون. كان واضحًا أن الضغوط الشعبية لعبت دورًا حاسمًا في القرار، ما يعكس حساسية الملف وتأثيره المباشر على مصداقية الحكومة أمام الداخل والخارج.
زلزال سياسي داخل فريق زيلينسكي وسط تساؤلات عن النفوذ
الجدل لم يتوقف عند القانون ذاته، بل امتد ليشمل دائرة القرار داخل مكتب الرئاسة، وتحديدًا دور أندري يرماك، مدير مكتب زيلينسكي، الذي يصفه مراقبون بأنه "الرجل الأقوى في الدولة فعليًا". يرماك لا يخضع لأي رقابة دستورية، ما أثار انتقادات داخلية متزايدة بشأن مركزية السلطة. يربط البعض محاولة تقليص صلاحيات الهيئات المستقلة بوجود شخصيات نافذة في محيط الرئاسة تخضع أو تخشى الملاحقة القضائية. هذه التحركات ترافقت مع رفض الحكومة لترشيح لجنة مستقلة لخبير معروف في مكافحة الفساد، ألكسندر تسيفينسكي، لرئاسة مكتب الجرائم الاقتصادية، بدعوى عدم حصوله على تصريح أمني.
الغرب يراقب: الدعم مشروط بإصلاحات حقيقية
التراجع السريع عن القانون عكس قلقًا حكوميًا من تداعيات دولية وخيمة، خصوصًا بعدما ربط الاتحاد الأوروبي صراحةً استمرار مساعداته بالتزام كييف بوعودها في مكافحة الفساد. ومنذ منح أوكرانيا صفة "مرشح للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي" عام 2022، أصبح إصلاح النظام القضائي والمالي شرطًا أساسيًا للحصول على الدعم. ومع إعلان البنك المركزي الأوكراني أن العجز المتوقع في موازنة 2025 قد يبلغ 13 مليار دولار، فإن أي اهتزاز في ثقة الشركاء الغربيين يمكن أن يكون مكلفًا جدًا، سواء على الصعيد العسكري أو الاقتصادي، خصوصًا في ظل خفض الاتحاد الأوروبي لبعض مساعداته بالفعل بسبب تباطؤ الإصلاحات.

جيل ما بعد الحرب: شباب يواجه السلطة دفاعًا عن مؤسسات الدولة
اللافت في الأزمة الأخيرة لم يكن فقط مضمون القانون أو توقيت طرحه، بل أن من تصدوا له كانوا في غالبيتهم من الشباب الذين اختاروا البقاء في البلاد رغم الحرب، والذين رأوا في استقلالية الهيئات الرقابية ضمانة لمستقبل ديمقراطي لا يقل أهمية عن مقاومة الاحتلال الروسي. هؤلاء الشباب ينظرون إلى مكافحة الفساد كجزء لا يتجزأ من معركة بقاء الدولة، ما جعلهم يخاطرون بالنزول إلى الشوارع رغم خطر القصف والصواريخ، مدفوعين بإيمان بأن أوكرانيا التي يحلمون بها يجب أن تكون دولة قانون ومحاسبة.
تراجع مؤقت أم اختبار حقيقي للديمقراطية الأوكرانية؟
ورغم أن الحكومة سعت لإظهار أن الأزمة قد طويت، إلا أن كثيرين يرون أن ما جرى كان أكثر من خلاف تشريعي عابر. بعض المحللين يعتبرون أن استعداد زيلينسكي للتراجع مؤشر على مرونة ديمقراطية، بينما يرى آخرون أنه اضطر إلى ذلك تحت ضغط سياسي داخلي وخارجي كثيف. وبينما يحاول البرلمان والمكتب الرئاسي تجاوز الحرج، يبقى الأهم هو استعادة الثقة، ليس فقط لدى الشركاء الدوليين، بل لدى المواطنين الأوكرانيين الذين أظهروا استعدادهم للوقوف في وجه السلطة دفاعًا عن مؤسسات بلادهم.




