أزمة السكن في فرنسا تتفاقم.. نقص المساكن وارتفاع أسعار الإيجارات
أزمة السكن في فرنسا تشتد مع تضاعف أسعار الإيجارات، وتراجع البناء، ونقص المساكن الاجتماعية، ما يضع الأسر تحت ضغوط اقتصادية ومعيشية متزايدة.
كانكال تواجه أزمة السكن في فرنسا بقرارات حاسمة لتقييد المساكن الثانوية
في ظل أزمة السكن في فرنسا وتصاعد الضغوط على سوق العقارات، اتخذت مدينة كانكال في إقليم بريتاني خطوة جريئة تهدف إلى حماية السكان المحليين وضبط المضاربة العقارية. فقد أقرّ المجلس البلدي تعديلًا جذريًا على الخطة الحضرية، يفرض قيودًا صارمة على بناء المساكن الثانوية، مستندًا إلى قانون إيشانيز لومور الصادر في نوفمبر 2024. يأتي القرار في وقتٍ تشهد فيه فرنسا موجة تضخم حاد في أسعار العقارات ونقصًا حادًا في المعروض السكني، ما جعل أزمة السكن ملفًا وطنيًا بالغ الحساسية.

قانون إيشانيز لومور (Loi Échaniz / Le Meur) وأهدافه
أقرّت فرنسا في نوفمبر 2024 قانونًا جديدًا يُعرف باسم قانون إيشانيز لومور (Loi Échaniz / Le Meur)، وهو خطوة تشريعية مهمة جاءت استجابةً لتفاقم أزمة السكن في فرنسا وارتفاع أسعار العقارات ونقص المساكن الاجتماعية في العديد من المدن السياحية والساحلية.
يمنح القانون البلديات التي تواجه ضغطًا عقاريًا حادًا الحق في تحديد قطاعات جغرافية مخصصة للإقامة الرئيسية فقط، بحيث تُمنع إقامة مساكن ثانوية جديدة في هذه المناطق. كما يسمح للبلديات باتخاذ هذا الإجراء في حال توفّر أحد الشرطين:
- أن تتجاوز نسبة المساكن الثانوية 20% من إجمالي المخزون العقاري.
- أو أن تكون البلدية قد فرضت ضريبة سنوية على المنازل الشاغرة.
يهدف القانون إلى حماية السكان الأصليين وضمان حصولهم على سكن دائم، مع تقليص ظاهرة الإيجارات السياحية القصيرة الأجل التي ساهمت في تضييق العرض المخصص للمقيمين الدائمين. كما يعزز القانون من قدرة البلديات على تنظيم سوق العقارات ومواجهة المضاربة الاستثمارية التي أثّرت سلبًا على إمكانية حصول الأسر على مساكن بأسعار معقولة. هذا القانون طُبّق في مدن عدة مثل بياريتز وبايون وبيدارت وشامونيه، ويُعتبر خطوة محورية ضمن خطة وطنية شاملة لمواجهة أزمة السكن في فرنسا وتحقيق التوازن بين الاستثمار السياحي وحق المواطنين في السكن.
أزمة السكن في فرنسا تلقي بظلالها على كانكال
لم تسلم كانكال من تبعات أزمة العقارات في فرنسا، إذ تواجه المدينة الساحلية الصغيرة ضغوطًا متزايدة بسبب تضخم الأسعار وتحويل نسبة كبيرة من المنازل إلى مساكن ثانوية. فقد ارتفعت نسبة هذه المساكن من 35.5% في عام 2011 إلى 41.2% في عام 2022، فيما قفز عدد الوحدات المخصصة للإيجارات السياحية بنسبة 30% بين 2020 و2024، ليصل إلى 582 وحدة في نوفمبر 2024.
هذا الواقع جعل العثور على مسكن بأسعار معقولة تحديًا حقيقيًا للسكان المحليين، الذين يعانون من تراجع المعروض المخصص للإقامة الدائمة مقابل زيادة استغلال العقارات للأغراض السياحية.
خطة حضرية لحماية السكان الأصليين
اعتمد المجلس البلدي في كانكال تعديلًا استراتيجيًا على الخطة المحلية للتنمية الحضرية (PLU)، يفرض «قيد الإقامة الرئيسية» على قطاعات محددة. وبموجب قانون إيشانيز لومور، لا يُسمح ببناء مساكن جديدة في هذه القطاعات إلا إذا خُصصت للإقامة الدائمة.
تهدف الخطة إلى الحد من المضاربة العقارية التي تُفاقم أزمة السكن في فرنسا وإعادة التوازن إلى السوق المحلي، بحيث يتمكن السكان الأصليون من الاستقرار في مناطقهم دون أن يُزاحوا بفعل ارتفاع الطلب السياحي.

قيود صارمة على بناء المساكن الثانوية
ينص القرار على منع أي مشاريع مستقبلية لبناء مساكن ثانوية جديدة في مناطق معينة داخل كانكال. كما تشترط القوانين الجديدة أن تُستخدم المساكن المستحدثة كإقامة رئيسية لمدة لا تقل عن ثمانية أشهر سنويًا، بينما تم تحديد سقف لتأجيرها للأغراض السياحية لا يتجاوز 120 يومًا في السنة.
بهذه الخطوة، تسعى البلدية للحد من ظاهرة «تأجير المساكن الموسمية» التي ساهمت في تقييد فرص السكن للأسر المقيمة وعمّقت نقص المساكن في فرنسا.
غرامات رادعة ومراقبة صارمة
لتطبيق هذه القوانين الجديدة بفعالية، وضعت كانكال آلية رقابية مشددة تشمل فرض غرامات تصل إلى 1000 يورو يوميًا على المخالفين، بحد أقصى 100,000 يورو. كما يتيح القانون للسلطات فسخ عقود الإيجار تلقائيًا عند ثبوت أي تجاوز.
يهدف هذا التشديد إلى حماية السوق العقاري المحلي من الممارسات غير القانونية وضمان توفير مساكن بأسعار معقولة للأسر المقيمة.
مدن فرنسية أخرى تتبنى النهج ذاته
لا تُعد كانكال حالة فريدة في فرنسا، بل جزءًا من اتجاه وطني للتعامل مع أزمة السكن. فقد سبقتها مدن سياحية مثل بياريتز وبايون وبيدارت، إضافة إلى شامونيه، قد تبنت إجراءات مشابهة للحد من توسع المساكن الثانوية. هذا التوجه ينسجم مع السياسات الوطنية الهادفة إلى حماية المقيمين الدائمين وتحقيق التوازن بين الاستثمارات السياحية وحق المواطنين في الحصول على مسكن دائم.
مستقبل سوق العقارات في كانكال وسط أزمة وطنية
يرى خبراء العقارات أن قرار كانكال قد يساهم في استقرار الأسعار تدريجيًا وتوفير المزيد من المساكن للأسر المحلية، لكنه ليس كافيًا لمعالجة جذور أزمة السكن في فرنسا.
مع استمرار الطلب المرتفع على المساكن الساحلية، تبرز الحاجة إلى حلول وطنية شاملة تشمل دعم مشاريع البناء الجديدة، وتوسيع برامج السكن الاجتماعي، وإعادة استثمار المنازل الشاغرة في فرنسا لسد فجوة المعروض السكني.




