تراجع فرضية عوالم هايشيان على كوكب K2-18b
بعد سنوات من التوقعات المتفائلة، دراسة جديدة تقلّص احتمالات وجود محيطات مائية على سطح كوكب K2-18b
ليس كل ما يدور في الفضاء بحريًا: بيانات حديثة تفند فكرة "عوالم هايشيان" وتكشف أن K2-18b قد لا يكون مائيًا كما اعتُقد.
في دراسة حديثة نُشرت في The Astrophysical Journal Letters، قلّص فريق بحثي بقيادة المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا احتمالية أن يكون الكوكب الخارجي K2-18b ضمن "عوالم هايشيان" الغنية بالماء. اعتمد الفريق على نماذج توازن كيميائي جديدة تدمج التفاعلات بين باطن الكوكب وغلافه الجوي، لتُظهر أن معظم الماء يُستهلك أو يُخزَّن في الداخل أثناء التكوين. وخلصت المحاكاة إلى أن نسبة المياه السطحية ضئيلة للغاية، ما يضعف فرص وجود محيطات أو ظروف تدعم الحياة. النتائج تغيّر فهمنا للكواكب دون النبتونية وتعيد توجيه البحث الفلكي نحو عوالم أصغر وأكثر ملاءمة.

دراسة جديدة تقلّص احتمالات العوالم هايشيان حول الكوكب الخارجي K2-18b
في أبريل 2025 تصدّر الكوكب الخارجي K2-18b الأخبار بعد إعلان باحثين من جامعة كامبريدج (University of Cambridge) أنه قد يكون عالمًا بحريًا ذا محيط عالمي عميق يعج بالحياة. الآن تقود المعطيات دراسة جديدة بإشراف المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich)، وبالتعاون مع معهد ماكس بلانك لعلم الفلك في هايدلبرغ (Max Planck Institute for Astronomy) وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (University of California, Los Angeles)، نحو استنتاج معاكس مفاده أن الكواكب دون النبتونية المشابهة لـK2-18b غير محتمل أن تكون عوالم تهيمن عليها المياه، وأن ظروفها بعيدة عن الملاءمة الحيوية. تشير كارولين دورن، أستاذة الكواكب الخارجية في المعهد، إلى أن الماء على الكواكب أقل بكثير مما كان يُعتقد، وقد نُشرت نتائج الفريق في The Astrophysical Journal Letters. يدور K2-18b حول نجم قزم على بُعد 124 سنة ضوئية من الأرض، ويقع حجمه بين الأرض ونبتون، ضمن فئة غير موجودة في نظامنا الشمسي لكنها شائعة في الفضاء.
K2-18b والكواكب دون النبتونية بين الحجم وخط الثلج والغلاف الهيدروجيني
تُظهر الرصود أن بعض الكواكب دون النبتونية ربما تكوّنت بعيدًا عن نجومها وراء خط الثلج (المنطقة التي تتجمد فيها المياه)، ثم هاجرت إلى الداخل لاحقًا. بناءً على ذلك افترضت دراسات سابقة أن بعض هذه العوالم راكم كميات كبيرة من الماء وشكّل محيطات عميقة تحت غلاف جوي غني بالهيدروجين، وهو ما عُرف بعوالم هايشيان (Hycean)، وهو مصطلح مشتق من كلمتي "hydrogen" و"ocean".
لماذا تتراجع فرضية هايشيان مع احتساب التفاعل بين الداخل والغلاف؟
توضح كارولين دورن أن نقطة الضعف الأساسية في فرضيات كثيرة سابقة هي إهمال الاقتران الكيميائي بين الغلاف الجوي وداخل الكوكب. يقول آرون فيرلين (Aaron Werlen)، الباحث في فريقها والمؤلف الأول للدراسة، إن الحسابات الجديدة تُظهر أن سيناريو المحيطات العالمية تحت غلاف هيدروجيني غير ممكن عندما تُؤخذ هذه التفاعلات في الحسبان. وقد أدخل الفريق في نماذجه تفاعلات متبادلة بين الغازات في الغلاف الجوي ومكوّنات باطن الكوكب، بدل النظر لكل طبقة بمعزل عن الأخرى.

محيط صهاري وغلاف هيدروجيني يحافظان على حالة حرارية طويلة
تفترض الدراسة أن الكواكب دون النبتونية مرّت بمرحلة مبكرة غطّاها محيط صهاري (صخور منصهرة) عميق وساخن، وأن قشرة من الهيدروجين في الغلاف الجوي أبقت هذه الحالة قائمة لملايين السنين. في هذا الإطار درس الباحثون أثر التفاعلات الكيميائية بين محيطات الصهارة والأغلفة الجوية في التحكم بمحتوى الماء لدى هذه الكواكب الفتية.
نمذجة تطور كوكبي واتزان كيميائي تشمل 248 كوكبًا و26 مكوّنًا
للوصول إلى تقديرات كمية، دمج الفريق نموذجًا قائمًا لوصف تطور الكواكب عبر الزمن مع نموذج جديد يحسب العمليات الكيميائية بين غازات الغلاف الجوي والمعادن والسيليكات في الصهارة. جرى حساب حالة الاتزان الكيميائي لـ26 مكوّنًا عبر 248 كوكبًا نموذجيًا. بينت المحاكاة أن التفاعلات تستهلك معظم جزيئات H2O؛ إذ يرتبط الهيدروجين والأكسجين بمركّبات معدنية، ويُنقل جزء كبير من هذه العناصر نحو نواة الكوكب، ما يقلّل فعليًا من الماء المتاح عند السطح.
الماء السطحي بعد التفاعلات لا يتجاوز بضع بالمئة في أفضل الأحوال
رغم الحدود المعروفة لدقة هذه الحسابات، يقول فيرلين إن التركيز كان على الاتجاهات الكبرى، والنتيجة واضحة في المحاكاة: تحتفظ الكواكب بكمية مياه أقل بكثير مما راكمته خلال التشكّل. الماء الذي يبقى على السطح على هيئة H2O يقتصر على بضعة بالمئة في أحسن السيناريوهات. وكانت مجموعة دورن قد بينت سابقًا كيف يُخفى معظم ماء الكوكب في الداخل. أما الدراسة الحالية فتقدّر إجمالي محتوى الماء في الكواكب دون النبتونية لتخلص إلى أن العوالم ذات الطبقات المائية الهائلة، حيث تبلغ المياه نحو 50% من كتلة الكوكب، غير موجودة وفق هذه الحسابات، وأن عوالم هايشيان التي يُفترض أن تحتوي على 10 إلى 90% ماء غير محتملة بدرجة كبيرة.
قابلية السكن والبحث عن الحياة بين القيود الرصدية والفيزيائية
تجعل هذه النتائج البحث عن حياة خارجية أكثر صعوبة مما كان مأمولًا، إذ إن ظروف الحياة المعتمدة على وفرة ماء سائل على السطح تبدو مرجّحة على كواكب أصغر. وتشير الدراسة إلى أن رصد مثل هذه الأجرام قد يتطلب مراصد تتجاوز قدرات تلسكوب جيمس ويب الفضائي (James Webb Space Telescope). وفي ضوء الحسابات الجديدة ترى دورن أن الأرض قد لا تكون استثنائية كما نعتقد، إذ يبدو أن محتواها من الماء ينسجم مع ما تُظهره النماذج لمعظم الكواكب البعيدة.
مفارقة خط الثلج وكيف تتشكل أغلفة غنية بالماء داخل الخط
تكشف النتائج عن مفارقة لافتة: أكثر الأغلفة الجوية ثراءً بالماء ليست للكواكب التي راكمت أكبر قدر من الجليد وراء خط الثلج، بل لتلك التي تشكّلت داخل الخط. في هذه الحالات لا يأتي الماء من بلورات الجليد، بل يتكون كيميائيًا عندما يتفاعل الهيدروجين في الغلاف الجوي مع الأكسجين القادم من السيليكات في محيط الصهارة لتتشكل جزيئات H2O. يخلص فيرلين إلى أن هذه الصورة تتحدى الرابط الكلاسيكي بين تشكّل غني بالجليد وأغلفة غنية بالماء، وتبرز الدور الحاسم لاتزان محيط الصهارة مع الغلاف الجوي في تشكيل التركيب الكوكبي.
انعكاسات على قراءة K2-18b ونظريات تكوّن الكواكب
بالنسبة لكواكب مثل K2-18b، تُقلّص الحسابات الجديدة احتمالات وجود محيطات عالمية عميقة تحت غلاف هيدروجيني، خلافًا للتصورات المتفائلة التي تصدّرت عناوين الأخبار. وتمتد تبعات ذلك إلى فهمنا لنشأة الكواكب وتفسير أغلفتها في عصر الرصد المتقدم؛ إذ تعيد الدراسة توجيه البحث نحو تحديد أحجام وتركيبات أكثر ملاءمة لقابلية السكن، مع تركيز متزايد على العوالم الأصغر وتطوير أدوات رصد قادرة على اختبار هذه الفرضيات بدقة أعلى.




