فشل قمة المناخ كوب30 في إنهاء عصر الوقود الأحفوري
قمة الأمم المتحدة للمناخ في مدينة بيليم البرازيلية تختتم باتفاق موتيران طوعي بلا تعهد صريح بالتخلي عن الوقود الأحفوري، رغم ضغوط أكثر من ٨٠ دولة وغياب أمريكي لافت عن المفاوضات.
ملخص
في مدينة بيليم شمال البرازيل اختتمت قمة المناخ كوب30 باتفاق أُطلق عليه اسم موتيران، يدعو الدول إلى تسريع خفض استخدام الوقود الأحفوري بشكل طوعي من دون التزام صريح بإنهاء النفط والفحم والغاز، رغم ضغط أكثر من ٨٠ دولة بينها المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. دول منتجة للنفط تمسكت بحقها في استغلال مواردها، فيما حذرت الأمم المتحدة من أن الجهود العالمية لحصر الاحترار في ١٫٥ درجة مئوية تبدو مهددة. غياب الولايات المتحدة بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ، إلى جانب الخلافات حول تمويل المناخ وغابات الأمازون، طبع أجواء القمة حتى لحظاتها الأخيرة.

خلفية قمة المناخ كوب30 ومسار المفاوضات
انعقدت قمة الأمم المتحدة للمناخ كوب30 على مدى أسبوعين في مدينة بيليم البرازيلية، في وقت تخشى فيه الأمم المتحدة من فشل الجهود الرامية إلى حصر ارتفاع درجة حرارة الأرض في ١٫٥ درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. أكثر من ٨٠ دولة، من ضمنها المملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، دفعت باتجاه نص واضح يدعو إلى التخلي عن النفط والفحم والغاز بوتيرة أسرع. في المقابل، أصرت دول منتجة للنفط على حقها في استخدام مواردها لتطوير اقتصاداتها، مشيرة إلى أن دولاً أخرى استفادت من هذه الثروات لعقود سابقة.
النتيجة النهائية كانت اتفاقاً سُمّي موتيران، يدعو الدول إلى "تسريع" جهودها في خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري بشكل طوعي، من دون ذكر مباشر للوقود الأحفوري أو إلزام قانوني جديد بشأنه. بالنسبة لعدد من الوفود، كان مجرد عدم التراجع عن الاتفاقات السابقة وعدم انهيار المفاوضات مكسباً فى حد ذاته، بينما رأت دول أخرى أن الفرصة لرفع الطموح ضاعت.
خلافات حول الوقود الأحفوري وانتقادات من كولومبيا والسعودية
الخلاف حول الوقود الأحفوري ظهر بوضوح في الجلسة العامة الختامية. ممثلة كولومبيا، دانييلا دوران غونثاليث، انتقدت بشدة رئاسة المؤتمر لعدم السماح للدول بالاعتراض على الاتفاق في الجلسة الأخيرة. وقالت لبي بي سي نيوز إن "كولومبيا تعتقد أن لدينا أدلة علمية كافية تقول إن أكثر من ٧٥٪ من الانبعاثات العالمية لغازات الدفيئة تأتي من الوقود الأحفوري"، مضيفة أن الوقت حان لكي "تبدأ اتفاقية التغير المناخي في الحديث عن هذه الحقيقة".
من جانب آخر، قال ممثل المملكة العربية السعودية في الجلسة نفسها إن "على كل دولة أن تُسمح لها ببناء مسارها الخاص استناداً إلى ظروفها واقتصادها". دول منتجة أخرى للنفط شاركت هذا الموقف، مؤكدة أن من حقها استغلال احتياطاتها من الوقود الأحفوري كما فعلت دول صناعية كثيرة في السابق.
غياب الولايات المتحدة عن اتفاق باريس للمناخ وتأثيره على كوب30
لأول مرة في تاريخ مؤتمرات المناخ، لم تُرسل الولايات المتحدة وفداً رسمياً إلى قمة من هذا النوع، بعد أن أعلن الرئيس دونالد ترامب أن بلاده ستغادر اتفاق باريس للمناخ الموقع عام ٢٠١٥، واصفاً التغير المناخي بأنه "خدعة".
جينيفر مورغان، المفاوضة المخضرمة والمبعوثة السابقة للمناخ في ألمانيا، قالت لبي بي سي إن غياب الولايات المتحدة مثّل "فراغاً" في قاعة التفاوض، مشيرة إلى أن واشنطن كانت كثيراً ما تدعم مواقف تكتلات مثل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. وأوضحت أن جلسة تفاوض امتدت لاثنتي عشرة ساعة خلال الليل شهدت ضغطاً كبيراً من الدول المنتجة للنفط، وأن غياب طرف مثل الولايات المتحدة لموازنة هذا الضغط جعل الوصول إلى نص أقوى بشأن الوقود الأحفوري أكثر صعوبة.
مواقف الدول النامية والجزر المنخفضة من نتائج القمة
الدول المشاركة جاءت إلى بيليم بمصالح متباينة تبعاً لوضعها الاقتصادي ومدى تعرضها لآثار التغير المناخي. الهند وصفت الاتفاق النهائي بأنه "ذو مغزى". تحالف يضم ٣٩ دولة من الجزر الصغيرة والدول الساحلية المنخفضة وصف اتفاق موتيران بأنه "غير كامل"، لكنه اعتبره مع ذلك خطوة في اتجاه "التقدم".
من جهة أخرى، عبّر وزير البيئة والمناخ في سيراليون، جيووه عبد اللاي، عن ارتياحه لأن الجزء المتعلق بتمويل المناخ شهد تحركاً محدوداً إلى الأمام. وقال إن الاتفاق "حرّك المؤشر"، مشيراً إلى وجود اعتراف أوضح بأن الدول ذات "المسؤولية التاريخية" عن الانبعاثات، أي تلك التي أطلقت كميات أكبر من الغازات المسببة للاحتباس الحراري في الماضي، تتحمل التزامات محددة في ما يتعلق بتمويل المناخ لمساعدة الدول الأضعف على التكيف.

أجواء تنظيمية مضطربة واحتجاجات حول غابات الأمازون
على المستوى التنظيمي، شاب القمة كثير من الارتباك. خلال الأيام الأخيرة، انقطعت المياه عن المراحيض، وتسببت عواصف رعدية غزيرة في غمر أجزاء من موقع المؤتمر بالمياه، فيما اشتكى المندوبون من حرارة عالية ورطوبة داخل القاعات. ومع وجود نحو ٥٠ ألف مشارك مسجل، تم إخلاء الموقع مرتين.
كما اقتحم نحو ١٥٠ متظاهراً المكان بعد اختراقهم الحواجز الأمنية، حاملين لافتات كتب عليها "غاباتنا ليست للبيع"، في إشارة لغابات الأمازون المطيرة. وفي يوم الخميس، اندلع حريق كبير أحدث ثقباً في السقف وأجبر الحاضرين على الخروج إلى الهواء الطلق.
الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا اختار مدينة بيليم لاستضافة كوب30 بهدف تسليط الضوء على غابات الأمازون وجذب تمويل إضافي للمدينة والمنطقة. ومع ذلك، تعرضت البرازيل لانتقادات بسبب خططها للتنقيب عن النفط عند مصب الأمازون، في وقت تشير فيه تحليلات صادرة عن منظمة "غلوبال ويتنس" إلى أن إنتاج البلاد البحري من النفط والغاز في طريقه للزيادة حتى أوائل ثلاثينيات هذا القرن.
تمويل المناخ ومبادرة «الغابات المدارية إلى الأبد» في البرازيل
إحدى النقاط التي خرجت بها قمة كوب30 تمثلت في وعود إضافية بتمويل المناخ لصالح الدول الأفقر، لمساعدتها على التكيف مع آثار التغير المناخي. دول نامية رأت في ذلك تقدماً بعد سنوات من الشكاوى من ضعف التدفقات المالية مقارنة بحجم الأضرار التي تتعرض لها.
على صعيد آخر، أطلقت البرازيل مبادرة جديدة باسم مرفق «الغابات المدارية إلى الأبد» تهدف إلى دفع أموال للدول التي تحافظ على الغابات المدارية. وبحلول نهاية القمة، كان المرفق قد جمع ما لا يقل عن ٦٫٥ مليار دولار من حكومات مختلفة، من دون مساهمة من المملكة المتحدة حتى الآن. كما دعمت أكثر من ٩٠ دولة الدعوة إلى وضع خطة عمل عالمية لمكافحة إزالة الغابات، أو خارطة طريق لهذا الغرض، في انسجام مع الخلفية الأمازونية البارزة لمكان انعقاد القمة.
مواقف المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي
بالنسبة للدول التي فاوضت طوال الليل للحفاظ على لغة أقوى بشأن الوقود الأحفوري، جاءت خاتمة قمة كوب30 بطعم مختلط. وزير الطاقة وأمن المناخ في المملكة المتحدة، إد ميليباند، وصف النتيجة بأنها "خطوة إلى الأمام"، لكنه أقر بأنه كان يفضّل "اتفاقاً أكثر طموحاً".
مفوّض المناخ في الاتحاد الأوروبي، ووبكه هوكسترا، قال للصحفيين إن الوفد الأوروبي "لن يخفي" أنه كان يريد "قدراً أكبر من الطموح في كل شيء"، في إشارة إلى أن النص النهائي لاتفاق موتيران لم يعكس بالكامل ما كانت تطمح إليه أكثر من ٨٠ دولة سعت إلى تضمين تعهدات واضحة وصريحة بإنهاء عصر الوقود الأحفوري.




