بريطانيا توافق على أكبر سفارة صينية رغم المخاوف الأمنية
قرار حكومي مثير للجدل يعيد فتح ملف التوازن بين المصالح الاقتصادية والأمن القومي في قلب لندن
ملخص
السفارة الصينية في لندن عادت إلى صدارة المشهد السياسي بعد موافقة الحكومة البريطانية على بنائها في موقع رويال مينت كورت التاريخي. المشروع، الذي يُعد الأكبر للصين في أوروبا، أثار مخاوف واسعة تتعلق بالأمن القومي البريطاني، خاصة لقربه من بنية تحتية رقمية حساسة. رغم تحذيرات مسؤولين أمنيين واعتراضات محلية واحتجاجات شعبية، رأت الحكومة أن المصالح الدبلوماسية والاقتصادية تبرر المضي قدمًا. القرار يعكس تعقيد العلاقات البريطانية الصينية، ويطرح أسئلة عميقة حول حدود التعاون مع بكين في ظل تراجع الصادرات وتصاعد المخاوف من التجسس ومراقبة المعارضين.

خلفية مشروع السفارة الصينية في لندن
بدأت قصة السفارة الصينية في لندن عام 2018، عندما اشترت الصين موقع رويال مينت كورت، الذي كان يُستخدم سابقًا لسك العملات البريطانية، مقابل نحو 255 مليون جنيه إسترليني. الهدف كان واضحًا، إنشاء مجمع دبلوماسي ضخم بمساحة تقارب 20 ألف متر مربع ليكون أكبر بعثة صينية في أوروبا. الموقع الجديد، القريب من برج لندن ومنطقة المدينة المالية، يمثل انتقالًا استراتيجيًا من مقر السفارة الحالي قرب ريجنتس بارك، لكنه في الوقت نفسه وضع المشروع في قلب منطقة شديدة الحساسية أمنيًا.
قرار الموافقة الحكومي بعد سنوات من التعطيل
في 20 يناير 2026، وافقت الحكومة البريطانية رسميًا على خطط بناء السفارة الصينية في لندن، بعد تأجيل القرار ثلاث مرات. وزير الإسكان ستيف ريد أصدر وثيقة من 240 صفحة خلصت إلى أن المشروع يتماشى مع خطط التطوير العمراني والحفاظ على المباني التاريخية. ورغم الإقرار بالمخاوف الأمنية، اعتبرت الحكومة أن الشروط الموضوعة كافية للحد من المخاطر، مع الإشارة إلى احتمال مواجهة طعون قانونية من السكان المحليين.
دور كير ستارمر والعلاقات الدبلوماسية مع الصين
لعب رئيس الوزراء كير ستارمر دورًا محوريًا في مسار المشروع، بعدما سحب قرار الترخيص من المجلس المحلي وجعله بيد الحكومة المركزية. التحرك جاء بعد مكالمة هاتفية مع الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2024، ما عكس البعد الدبلوماسي للقضية. بريطانيا، من جانبها، تحتاج أيضًا إلى موافقة صينية على تجديد سفارتها في بكين، وهو ما أضفى طابعًا تبادليًا حساسًا على القرار.

اعتراضات المجالس المحلية والمعارضة السياسية
مجلس تاور هاملتس المحلي كان قد رفض المشروع في 2022، مستندًا إلى مخاوف تتعلق بالأمن والضغط على البنية التحتية. سياسيون معارضون، أبرزهم أليسيا كيرنز، اعتبروا الموافقة “تنازلًا عن الأمن مقابل التجارة”، محذرين من تداعيات طويلة الأمد. هذه الانتقادات زادت من حدة الجدل داخل البرلمان والرأي العام.
أحد أبرز أسباب الجدل حول السفارة الصينية في لندن هو قربها من كابلات ألياف ضوئية تنقل بيانات مالية وحكومية حساسة. وثائق غير محررة كشفت عن وجود أكثر من 200 غرفة تحت الأرض، بينها غرفة ملاصقة للكابلات، ما أثار مخاوف من استخدام الموقع لأغراض تجسسية. ورغم تحذيرات رئيس جهاز MI5 من التهديد الصيني اليومي، أكدت الأجهزة الأمنية أن المخاطر يمكن احتواؤها، ولم تقدم اعتراضًا رسميًا.
ردود الفعل الشعبية واحتجاجات لندن
في 17 يناير 2026، شهدت لندن احتجاجات شارك فيها نشطاء ومنشقون صينيون، خاصة من هونغ كونغ. المحتجون أعربوا عن خشيتهم من أن تتحول السفارة إلى مركز لمراقبة المعارضين وملاحقتهم. بعض سكان المنطقة أعلنوا نيتهم الطعن في القرار قضائيًا، ما قد يؤخر تنفيذ المشروع لسنوات.
القرار قد يسهم في تحسين العلاقات البريطانية الصينية، لا سيما مع اقتراب زيارة ستارمر إلى بكين. إلا أن التحديات الاقتصادية تظل قائمة، إذ انخفضت الصادرات البريطانية إلى الصين بنسبة 23% حتى منتصف 2025. في المقابل، يرى منتقدون أن المكاسب التجارية المحتملة لا تبرر المخاطر الأمنية، معتبرين أن المشروع يشكل سابقة خطيرة في موازنة الأمن والدبلوماسية.




