رئيس وزراء كندا يعيد فتح الحوار مع الصين لتقليل الاعتماد على السوق الأميركية
تحرك دبلوماسي كندي لإعادة ضبط العلاقات الاقتصادية والسياسية مع بكين في المرحلة الحالية.
ملخص
يتوجه رئيس وزراء كندا مارك كارني إلى الصين في زيارة رسمية توصف داخل الأوساط الحكومية الكندية بالمهمة، في وقت تسعى فيه أوتاوا إلى إعادة ترتيب علاقتها مع بكين وفتح مسارات اقتصادية جديدة خارج السوق الأميركية. الزيارة، وهي الأولى لرئيس وزراء كندي منذ عام 2017، تأتي في ظل ضغوط تتعلق بتوازن المصالح التجارية، والالتزامات السياسية والأمنية، وملفات حقوق الإنسان. وتشمل المحادثات ملفات التجارة والزراعة والأمن الدولي، إضافة إلى محاولات تخفيف التوترات التي أثرت على العلاقات الثنائية خلال السنوات الماضية، وسط إدراك كندي بأن تنويع الشراكات الاقتصادية بات ضرورة ملحة.

تحول في توجه كندا تجاه الصين
تأتي زيارة مارك كارني إلى الصين في لحظة دقيقة بالنسبة إلى كندا، التي تواجه حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة، الشريك التجاري الأكبر لها. هذا الواقع دفع الحكومة الكندية إلى البحث عن بدائل تضمن حماية الاقتصاد الوطني، من دون الدخول في صدام مباشر مع واشنطن أو الإخلال بالتزاماتها المتعلقة بالأمن القومي وحقوق الإنسان. مسؤولون كنديون كبار أشاروا إلى أن الزيارة تحمل طابعًا تاريخيًا، وتمثل جزءًا من خطة وُصفت بالجريئة تهدف إلى مضاعفة الصادرات الكندية غير المتجهة إلى الولايات المتحدة خلال السنوات العشر المقبلة.
يشمل برنامج الزيارة سلسلة لقاءات رفيعة المستوى، إذ من المقرر أن يلتقي رئيس وزراء كندا برئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ، ورئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب تشاو ليجي. كما يُنتظر أن يعقد مارك كارني لقاءً ثنائيًا مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، في اجتماع يأتي بعد لقاء سابق جمعهما العام الماضي على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ في كوريا الجنوبية. وتؤكد الحكومة الكندية أن ملفات التجارة والزراعة والأمن الدولي ستكون حاضرة بقوة على جدول الأعمال.
خلفية التوتر في العلاقات الثنائية
شهدت العلاقات بين كندا والصين تراجعًا حادًا منذ عام 2018، عقب توقيف المديرة المالية لشركة هواوي منغ وانزو في فانكوفر بناءً على مذكرة أميركية مرتبطة بقضية تتعلق بالعقوبات على إيران. هذا التطور أثار غضب بكين، التي ردت باعتقال مواطنين كنديين بتهم تجسس. وأُفرج عن الأطراف الثلاثة في عام 2021 بعد التوصل إلى تسوية قضائية في الولايات المتحدة، إلا أن آثار الأزمة استمرت وألقت بظلالها على مسار العلاقات الثنائية.
في السنوات الأخيرة، وُجهت اتهامات إلى الصين بالتدخل في الشأن السياسي الكندي، غير أن تحقيقًا عامًا بشأن التدخل الأجنبي خلص إلى أن التأثير على الانتخابات الفيدرالية الأخيرة كان محدودًا. الصين نفت مرارًا هذه الاتهامات، فيما لا تزال أوتاوا تنظر إلى بكين بوصفها قوة عالمية مؤثرة تتجاهل، من وجهة نظرها، بعض القواعد والمعايير الدولية، مع إقرارها في الوقت نفسه بأن حجم الصين ودورها العالمي يفرضان مستوى معينًا من التعاون.

التجارة والزراعة في صلب المباحثات
تضع كندا ملف التجارة في مقدمة أولويات هذه الزيارة، خاصة في ما يتعلق بالرسوم الجمركية التي فرضتها الصين على الكانولا الكندية، والتي أثرت بشكل مباشر على المزارعين في مقاطعات البراري. وكانت بكين قد فرضت هذه الرسوم العام الماضي، في خطوة اعتُبرت ردًا على الرسوم التي أعلنتها كندا في عام 2024 على السيارات الكهربائية الصينية، بالتوازي مع إجراءات مماثلة من جانب الولايات المتحدة. الصين أوضحت بوضوح أنها ترغب في رفع هذه الرسوم، فيما ترى أوتاوا أن تخفيف القيود على صادراتها الزراعية يمثل هدفًا أساسيًا للزيارة.
مكاسب محتملة ومخاوف قائمة
من منظور صيني، تُعد كندا شريكًا تجاريًا مهمًا، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 118 مليار دولار في عام 2024. وفي حال توصل الجانبان إلى تفاهمات جديدة، فإن ذلك قد يمنح بكين نفوذًا أكبر داخل دولة ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة. في المقابل، تؤكد الحكومة الكندية أن سعيها لتعزيز التعاون مع الصين في مجالات مثل الطاقة والمناخ لا يعني التخلي عن تحفظاتها في ملفات الدفاع والمعادن الحيوية، بل يندرج ضمن محاولة رسم حدود واضحة للتعاون والخلاف في آن واحد.




