الهلوسات السمعية في الفصام: عندما يختلط الصوت الداخلي بالواقع
سماع الأصوات في الفصام ليس مجرد عرض غامض، بل تجربة ذهنية معقدة قد تنشأ من خلل يجعل الأفكار الداخلية تبدو كأنها أصوات حقيقية قادمة من الخارج.
ملخص
لماذا يسمع بعض مرضى الفصام أصواتًا غير موجودة؟
في بحث قاده باحثون من جامعة نيو ساوث ويلز ونُشر في Schizophrenia Bulletin، كشفت دراسة عصبية أن الهلوسات السمعية في الفصام قد تنتج عن خلل في قدرة الدماغ على تمييز الصوت الداخلي عن الأصوات الخارجية. باستخدام تخطيط كهربية الدماغ، أظهرت النتائج أن المصابين بسماع الأصوات مؤخرًا يفشلون في تثبيط الاستجابة السمعية الطبيعية، ما يجعل الكلام الداخلي يبدو كصوت قادم من الخارج. هذا الفهم يفتح بابًا جديدًا لتطوير مؤشرات حيوية تساعد في تشخيص ومتابعة الفصام.

لماذا يسمع بعض مرضى الفصام أصواتًا لا يسمعها الآخرون؟
سماع أصوات لا يسمعها الآخرون تجربة قد تبدو غامضة لمن لم يختبرها، لكنها بالنسبة لكثيرين من المصابين بالفصام يمكن أن تكون شديدة الواقعية ومربكة، وتؤثر في التركيز والنوم والحياة اليومية. هذا العرض يعد من أكثر أعراض الفصام ارتباطًا بالمعاناة اليومية، لأنه قد يجعل الشخص يشعر بأن هناك من يتحدث إليه أو يعلق على تصرفاته رغم عدم وجود مصدر خارجي. ووفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، يؤثر الفصام في نحو 23 مليون شخص حول العالم، ما يجعل فهم أسبابه وأعراضه مسألة تتجاوز الاهتمام الأكاديمي إلى أثر مباشر على الصحة العامة.
إحدى العقبات الكبرى أن الفصام لا يملك حتى الآن اختبارًا حاسمًا من نوع فحص دم أو تصوير دماغ أو مؤشر مخبري يمكنه وحده تأكيد التشخيص. لهذا تبقى الحاجة ملحّة لفهم ما يحدث داخل الدماغ عندما تتحول أفكار داخلية إلى أصوات تبدو قادمة من الخارج. ولتفسير هذه المعضلة، قاد علماء نفس في جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني (University of New South Wales Sydney) دراسة قدمت ما وُصف بأنه أوضح دليل حتى الآن على أن الهلوسات السمعية في الفصام قد تنشأ من خلل في طريقة تعرف الدماغ على صوته الداخلي، وقد نُشرت النتائج في Schizophrenia Bulletin.
الصوت الداخلي وكيف يميّز الدماغ “صوتي” من “صوت الآخرين”
الصوت الداخلي أو “الكلام الداخلي” (Inner speech) هو ذلك التعليق الصامت الذي يرافق التفكير اليومي، مثل التخطيط لشيء ما أو مراجعة ما ستقوله أو ملاحظة فكرة عابرة. البروفيسور توماس ويتفورد (Thomas Whitford) وصفه بأنه الصوت الذي يروي أفكارك في رأسك دون أن تنطق. وقد يكون حاضرًا لدى كثيرين بشكل تلقائي، بينما لا يختبره بعض الأشخاص بنفس الصورة.
الجزء الأهم في تفسير الدراسة يتعلق بآلية يتوقع بها الدماغ صوت الذات. عندما يتحدث الإنسان بصوت مسموع، أو حتى عندما “يتحدث” داخل رأسه، يتعامل الدماغ عادة مع هذا الفعل باعتباره صادرًا منه، فيخفّض نشاط المنطقة التي تعالج الأصوات الخارجية لأن التنبؤ كان صحيحًا. هذا يشبه مثالًا بسيطًا: عندما تتوقع رنين هاتفك لأنك أنت من ضغطت زر الاتصال، لن يفاجئك الصوت مثلما قد يفاجئك رنين غير متوقع.
الدراسة أشارت إلى أن هذه الآلية قد تتعطل لدى من يمرون بالهلوسات السمعية المرتبطة بالفصام، فيتعامل الدماغ مع الصوت الداخلي كما لو كان قادمًا من شخص آخر. هنا تظهر فكرة سماع أصوات في الرأس بوصفها تجربة لا يشعر فيها الشخص أنها أفكار تخصه، بل أصوات مفروضة عليه من الخارج.
تخطيط كهربية الدماغ يختبر نظرية سماع الأصوات في الفصام
فكرة أن الهلوسات السمعية قد تكون نتاج خلط بين الكلام الداخلي والصوت الخارجي موجودة منذ عقود، لكنها كانت صعبة الاختبار لأن الكلام الداخلي تجربة خاصة لا تُسمع ولا تُقاس بسهولة. ويتفورد أشار إلى أن هذه النظرية مطروحة منذ نحو 50 عامًا، لكن التحدي كان دائمًا في طريقة قياس شيء لا يسمعه أحد.
هنا استخدم الفريق تخطيط كهربية الدماغ (EEG)، وهو تسجيل للنشاط الكهربائي في الدماغ عبر أقطاب توضع على فروة الرأس. حتى لو لم نسمع الكلام الداخلي كصوت حقيقي، فإن الدماغ يتفاعل معه، ويمكن رصد هذا التفاعل عبر EEG. في الأشخاص الأصحاء يظهر عادة “انخفاض” في الاستجابة داخل مناطق معالجة الصوت عندما يتوقع الدماغ الصوت بدقة، بينما قد يختفي هذا الانخفاض أو ينقلب لدى من يسمعون أصواتًا.

ثلاث مجموعات لفهم الفرق بين من يسمعون أصواتًا ومن لا يسمعونها
قسّم الباحثون المشاركين إلى ثلاث مجموعات. المجموعة الأولى ضمت 55 شخصًا لديهم اضطرابات ضمن طيف الفصام وكانوا قد مروا حديثًا بما يسمى “الهلوسات السمعية اللفظية” (Auditory verbal hallucinations, AVH) خلال الأسبوع السابق. المجموعة الثانية ضمت 44 شخصًا مصابين بالفصام لكن دون تاريخ لهذه الهلوسات أو دون حدوثها مؤخرًا. أما المجموعة الثالثة فتكونت من 43 شخصًا أصحاء دون تاريخ للفصام.
ارتدى المشاركون قبعة EEG واستمعوا لأصوات عبر سماعات. وفي لحظات محددة طُلب منهم تخيل نطق مقطعين بسيطين بصمت داخل عقولهم، “bah” أو “bih”، بينما يُشغَّل أحد هذين الصوتين فعليًا. ولم يكن المشاركون يعرفون مسبقًا ما إذا كان الصوت الذي سيتخيلونه سيطابق ما يسمعونه، وهو تفصيل مهم لأنه اختبر قدرة الدماغ على التنبؤ بالصوت.
عندما يعمل التنبؤ بشكل طبيعي ومتى ينقلب؟
في المجموعة السليمة ظهر النمط المتوقع. عندما تطابق المقطع المتخيل مع الصوت الذي سمعوه، انخفض نشاط الدماغ في القشرة السمعية، وهي المنطقة المسؤولة عن معالجة الصوت والكلام. هذا الانخفاض أشار إلى أن الدماغ تنبأ بالصوت فقلّل استجابته، وهو ما يشبه ما يحدث عادة أثناء الكلام الطبيعي.
لكن لدى المجموعة التي عانت AVH مؤخرًا ظهر العكس. بدل أن تنخفض الاستجابة، زادت قوة تفاعل الدماغ عندما تطابق الصوت المتخيل مع الصوت الخارجي. ويتفورد وصف ذلك بأنه انعكاس لتأثير التثبيط الطبيعي، ما أوحى بأن آلية التنبؤ قد تكون مضطربة لدى من يمرون بالهلوسات في الفترة الراهنة، وهو ما قد يدفع الدماغ لتفسير الكلام الداخلي على أنه صوت خارجي.
أما مجموعة المصابين بالفصام دون هلوسات حديثة، فأظهرت استجابة كانت بين المجموعتين، وهو ما دعم فكرة أن نمط الاستجابة يرتبط بالحالة الراهنة للأعراض وليس بالتشخيص وحده.
لماذا تهم النتائج في غياب فحص حاسم للفصام؟
الباحثون قالوا إن النتائج قدمت أقوى تأكيد حتى الآن على أن سماع الأصوات والهلوسات السمعية في الفصام قد تكون في جوهرها خللًا في التعرف على الصوت الداخلي. وهذه النقطة مهمة لأن الفصام لا يملك حاليًا مؤشرات حيوية فريدة، فلا توجد اختبارات دم أو تصوير دماغ أو علامات مخبرية قاطعة يمكنها وحدها تحديد الحالة.
لذلك لفت الفريق إلى احتمال أن يصبح هذا النمط في EEG جزءًا من مسار بحث عن مؤشر حيوي للذهان يساعد في فهم تطور الأعراض، وربما في توقع من قد يتجه إلى نوبات ذهانية لاحقًا.
كيف يمكن تطبيق النتائج عمليًا وما المثال الأقرب لذلك؟
أبرز تطبيق محتمل طرحته الدراسة هو استخدام قياس استجابة الدماغ للكلام الداخلي كأداة تساعد في التنبؤ المبكر أو في متابعة شدة الأعراض. مثال قريب من الواقع دون مبالغة: إذا كان لدى شخص تاريخ من أعراض مقلقة أو نوبات متقطعة من هلوسات سمعية، فقد تُستخدم مهمة مشابهة داخل EEG، حيث يتخيل مقاطع صوتية بينما يستمع لأصوات عبر سماعات، ثم تُفحص استجابة دماغه لمعرفة ما إذا كانت آلية التنبؤ تعمل بشكل طبيعي أم تظهر علامة الانقلاب التي رصدتها الدراسة لدى من مروا بـ AVHمؤخرًا.
كما أن فهم سبب شعور الشخص بأن الأصوات حقيقية قد يوجه أبحاث علاجات جديدة، لأن تحديد الآلية البيولوجية خطوة أولى قبل التفكير في تدخلات أكثر دقة. ويتفورد أكد أن فهم الأسباب البيولوجية للأعراض ضروري إذا كان الهدف تطوير علاجات جديدة وفعّالة.

أسئلة شائعة عن سماع الأصوات في الفصام والصوت الداخلي
هل سماع الأصوات في الفصام يعني أن الشخص يسمع أصواتًا حقيقية؟
في كثير من الحالات ترتبط التجربة بما يُعرف بالهلوسات السمعية، حيث تبدو الأصوات واقعية جدًا لصاحبها رغم عدم وجود مصدر خارجي. الدراسة أوضحت أن الدماغ قد يخطئ في تفسير الصوت الداخلي أو الكلام المتخيل على أنه قادم من الخارج، وهو ما يجعل التجربة تبدو “حقيقية” بالنسبة للشخص.
ما هو الصوت الداخلي وكيف يرتبط بالهلوسات السمعية؟
الصوت الداخلي أو “الكلام الداخلي” (Inner speech) هو التعليق الصامت الذي يرافق تفكير الإنسان طوال اليوم. وفق نتائج الدراسة، قد يحدث خلل في آلية دماغية مسؤولة عن التعرف على هذا الصوت والتنبؤ به، ما قد يؤدي إلى أن يُفهم الصوت الداخلي وكأنه صوت شخص آخر، وهو ما قد يساهم في ظهور الهلوسات السمعية في الفصام.
كيف استخدمت الدراسة تخطيط كهربية الدماغ EEG لفهم سماع الأصوات؟
استخدم الباحثون تخطيط كهربية الدماغ (EEG) لقياس نشاط الدماغ أثناء مهمة تجمع بين الاستماع لأصوات عبر سماعات وتخيل نطق مقاطع مثل “bah” أو “bih” بصمت. لدى الأشخاص الأصحاء انخفض نشاط مناطق معالجة الصوت عندما تطابق المتخيل مع المسموع، بينما ظهر نمط معاكس لدى من مروا بالهلوسات السمعية اللفظية (AVH) مؤخرًا.
ما الفرق بين الهلوسات السمعية اللفظية AVH وبين حالات الفصام دون هلوسات؟
في الدراسة، المجموعة التي عانت AVH خلال الأسبوع السابق أظهرت نمطًا معاكسًا للنمط الطبيعي في استجابة الدماغ للكلام الداخلي. أما المشاركون المصابون بالفصام دون هلوسات حديثة، فجاءت استجاباتهم بين المجموعة السليمة والمجموعة التي سمعت أصواتًا مؤخرًا، ما يوحي بأن شدة هذا الخلل قد ترتبط بالحالة الراهنة للأعراض.




