اتفاق دولي جديد في واشنطن لتقليل الهيمنة الصينية على المعادن الأساسية
مبادرة أمريكية واسعة لمواجهة نفوذ الصين على سلاسل إمدادات المعادن العالمية.
ملخص
أعلنت الولايات المتحدة عن إطار دولي جديد للتعاون في مجال المعادن الحرجة، في خطوة تهدف إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية وتقليل الاعتماد على الصين. المبادرة، التي طُرحت خلال اجتماع وزاري في وزارة الخارجية الأمريكية، تسعى إلى إنشاء منطقة تجارية تفضيلية تعتمد على تسعير منظم ودعم استثماري للدول المشاركة. شاركت في الاجتماع عشرات الدول إلى جانب الاتحاد الأوروبي، بينما أكدت واشنطن أن التحالف الجديد يركز على ضمان الاستقرار وتعزيز الإنتاج المحلي والمشترك. في المقابل، دعت الصين إلى الحوار محذرة من تداعيات التصعيد، في وقت تتزايد فيه المنافسة الجيوسياسية على الموارد الأساسية للتكنولوجيا والدفاع.

إطلاق مبادرة أمريكية لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية
كشفت الولايات المتحدة عن مبادرة جديدة تهدف إلى إنشاء تحالف تجاري تفضيلي للمعادن الحرجة، في إطار مساعٍ لتعزيز أمن الإمدادات العالمية والحد من النفوذ المتزايد للصين على هذه الموارد. الإعلان جاء خلال اجتماع وزاري عقد في وزارة الخارجية الأمريكية، حيث طُرح الإطار الجديد باعتباره منصة للتنسيق الاقتصادي والجيوستراتيجي بين الدول المنتجة والمستهلكة للمعادن الأساسية.
خلال الاجتماع، دعا نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أكثر من 50 دولة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، للانضمام إلى المبادرة التي تحمل اسم منتدى الالتزام الجيوستراتيجي للموارد، المعروف اختصارًا باسم فورج. ويهدف هذا المنتدى إلى بناء شبكة تعاون تعتمد على قواعد تجارية تفضيلية، بما يسمح للدول المشاركة بالعمل ضمن إطار مشترك يوازن بين العرض والطلب ويحد من تقلبات الأسواق.
أهمية المعادن الحرجة في الصناعات الحديثة
تلعب المعادن الحرجة دورًا محوريًا في الصناعات التكنولوجية والدفاعية، إذ تُستخدم عناصر مثل المعادن الأرضية النادرة والليثيوم والغاليوم في إنتاج الهواتف الذكية والمركبات الكهربائية وأنظمة التسليح المتقدمة. ووفقًا لتقارير صادرة عن هيئة الإذاعة البريطانية، تسيطر الصين على نحو 70 في المئة من عمليات التعدين العالمية للعناصر النادرة، إضافة إلى حوالي 90 في المئة من قدرات التكرير، وهو ما يمنحها نفوذًا كبيرًا على سلاسل الإمداد الدولية.
النفوذ الصيني واستخدامه في النزاعات التجارية
خلال السنوات الماضية، استخدمت بكين هذا النفوذ كورقة ضغط في النزاعات التجارية، إذ فرضت قيودًا على تصدير مواد مثل الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون ردًا على تعريفات أمريكية. وأشارت وكالة رويترز إلى أن هذه الإجراءات جاءت في سياق تصعيد متبادل بين واشنطن وبكين، ما زاد من قلق الدول الصناعية بشأن استقرار الإمدادات الحيوية.

آلية التسعير والدعم ضمن التحالف الجديد
في كلمته أمام المشاركين، أوضح فانس أن المبادرة الأمريكية تهدف إلى إنشاء منطقة تجارية تفضيلية تعتمد على تحديد أسعار مرجعية لكل مرحلة من مراحل الإنتاج. وأكد أن هذه الأسعار ستُدعم كحد أدنى من خلال تعريفات قابلة للتعديل، لمنع إغراق الأسواق بمنتجات منخفضة التكلفة، وهو ما تسعى واشنطن من خلاله إلى تشجيع الاستثمار في الإنتاج المحلي وفي الدول الحليفة.
أشار فانس إلى أن الدول المنضوية تحت إطار فورج ستستفيد من تسهيلات تمويلية وضمانات شراء، بما يعزز القدرة على تطوير مشاريع التعدين والتكرير عبر المنطقة بأكملها. واعتبر أن هذا النهج من شأنه تقليل المخاطر الاستثمارية، وخلق بيئة أكثر استقرارًا للإنتاج طويل الأمد في قطاع المعادن الحرجة.
مشاركة دولية واستثمارات أمريكية ضخمة
شهد الاجتماع حضور ممثلين عن دول من آسيا وأوروبا وإفريقيا، من بينها اليابان والهند وكوريا الجنوبية وأستراليا وألمانيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي. وأعلن ديفيد كوبلي، مساعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن خطط لاستثمار مئات المليارات من الدولارات في قطاع التعدين، مشيرًا إلى استثمارات قائمة في شركات أمريكية مثل إم بي ماتيريالز لإنتاج المغناطيسات النادرة، وليثيوم أميريكاس المتخصصة في مواد البطاريات.
من جانبه، شدد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على أن تركّز المعادن الحرجة في يد دولة واحدة يشكل أداة ضغط جيوسياسي، داعيًا إلى تنويع مصادر الإمداد من خلال تعاون دولي منظم يحد من المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على مورد واحد.
الرد الصيني والدعوة إلى الحوار
في ردها على المبادرة، دعت الصين إلى الحوار للحفاظ على استقرار سلاسل الإمداد العالمية، بحسب ما نقلته رويترز عن سفارتها في واشنطن. وأكدت بكين أنها لعبت دورًا بنّاءً في تأمين هذه السلاسل، وأبدت استعدادها لمواصلة التعاون، محذرة في الوقت نفسه من أن جميع الأطراف تتحمل مسؤولية الحفاظ على الاستقرار وتجنب التصعيد.
جاء هذا الموقف الصيني عقب إعلان ترامب عن إنشاء مخزون استراتيجي للمعادن الحرجة بقيمة 12 مليار دولار، في إطار جهود أوسع لتقليل الاعتماد على الواردات. وتزامنت هذه الخطوات مع تصاعد التوترات التجارية بين واشنطن وبكين، رغم وصف ترامب لمكالمة هاتفية أجراها مع الرئيس الصيني شي جين بينغ بأنها إيجابية للغاية.
في موازاة ذلك، واصلت الولايات المتحدة السعي إلى إبرام اتفاقيات ثنائية وثلاثية مع دول مثل المكسيك واليابان والاتحاد الأوروبي لتعزيز سلاسل الإمداد. ويرى خبراء، وفق تحليلات صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن هذه التحركات تعكس إدراكًا أمريكيًا متزايدًا بأن تقليص الاعتماد على الصين يتطلب عملًا جماعيًا طويل الأمد وليس إجراءات أحادية.




