رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:59 م calendar السبت 18 يوليو 2026

المعادن الحرجة تُستخرج داخل أمريكا وتُفقد في النفايات: فرصة مهدورة

رغم امتلاكها الموارد الكافية، الولايات المتحدة لا تستغل المعادن الحرجة التي تُستخرج ضمنيًا داخل مناجمها، وتُفقد في النفايات دون استخلاص.

هل أمريكا غنية بالمعادن
هل أمريكا غنية بالمعادن الحرجة أكثر مما نعتقد؟ - illustration

    في وقت تتصاعد فيه الحاجة إلى المعادن الحرجة، تواصل أمريكا رمي كنوزها في مخلفات المناجم، بينما تعتمد على الاستيراد لتأمين احتياجاتها التكنولوجية والدفاعية.

    في دراسة تحليلية نُشرت في مجلة Science ، تبيّن أن الولايات المتحدة تُهدر معادن حرجة تُستخرج بالفعل داخل حدودها، لكنها لا تُستخلص وتُنقل إلى المخلفات. باستخدام قاعدة بيانات جديدة وتقنيات تحليل متقدمة، كشفت الدراسة أن عناصر كالكوبالت والليثيوم والنيوديميوم تُفقد ضمن عمليات تعدين أخرى. وباستخلاص أقل من 1% من هذه المعادن، يمكن تلبية أغلب الطلب الصناعي المحلي، ما يفتح بابًا لتقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز الاستدامة البيئية والاقتصادية في آن واحد.


    دراسة تكشف: كنوز من الكوبالت والليثيوم تُرمى داخل مناجم أمريكا
    معادن حرجة تُستخرج داخل أمريكا وتُفقد في النفايات: - illustration

    الولايات المتحدة تُهدر معادن حرجة تُستخرج بالفعل داخل حدودها

     

    نشرت مؤخرًا في Science  دراسة تحليلية تقودها إليزابيث هولي، الأستاذة المشاركة في هندسة التعدين بمدرسة كولورادو للمناجم (Colorado School of Mines)، تُظهر أن جميع المعادن الحرجة التي تحتاجها الولايات المتحدة سنويًا لتطبيقات الطاقة والدفاع والتكنولوجيا يجري استخراجها في منشآت قائمة داخل البلاد، لكنها لا تُستخلص وتنتهي بدلًا من ذلك في مخلفات المناجم "tailings" الناتجة عن سلاسل معالجة معادن أخرى مثل الذهب والزنك. وتوضح هولي أن المشكلة ليست في توافر الموارد، بل في القدرة على استخلاصها على نحو مجدٍ اقتصاديًا، مشبّهة ذلك بمحاولة إخراج الملح من عجينة الخبز، ما يستلزم مزيدًا من البحث والتطوير وسياسات مساندة.

    ما الذي تكشفه النتائج عن حجم الفرصة المهدرة؟

     

    تشير الدراسة إلى أن عناصر مثل الكوبالت والليثيوم والغاليوم، فضلًا عن عناصر أرضية نادرة كـالنيوديميوم والإيتريوم، تُستخرج فعليًا ضمن عمليات تعدين معادن أخرى ثم تُطرح مع المخلفات. وبسبب عدم استخلاصها، يتعيّن تخزين تلك المخلفات ومراقبتها لتفادي التلوث البيئي، رغم أنها تحتوي على كميات من عناصر استراتيجية تدخل في صناعات الإلكترونيات والأجهزة الطبية والأقمار الصناعية والطاقة المتجددة والطائرات المقاتلة.

    منهجية التحليل: إنتاج المناجم المرخّصة واتساقه مع بيانات التركيز الجيوكيميائي

     

    أنشأ فريق البحث قاعدة بيانات للإنتاج السنوي في المناجم المعدنية المرخّصة اتحاديًا داخل الولايات المتحدة، ثم استخدم تقنية إعادة أخذ عينات إحصائية لربط تلك البيانات بتركيزات العناصر الحرجة في الخامات كما جمعتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (U.S. Geological Survey/USGS) و(Geoscience Australia) وهيئة المسح الجيولوجي الكندية (Geological Survey of Canada). بهذه المقاربة، أمكن تقدير كميات العناصر الحرجة التي تُستخرج وتُعالج سنويًا في المناجم الأميركية من دون أن تُستخلص، لتنتهي في المخلفات بدل دخولها سلاسل التوريد.

    أمريكا تملك معادن حرجة ثمينة لكنها تُهدرها في مخلفات المناجم
    لماذا لا تستخلص الولايات المتحدة معادنها الحرجة؟ - illustration

    فرص سريعة الأثر: حتى 1% من الاستخلاص كفيل بتغيير المعادلة

     

    تقدم الدراسة منظورًا جديدًا لما تصفه هولي بـ"low-hanging fruit"، إذ تُبيّن مواضع وجود كل عنصر حرج ومواقع المناجم التي يمكن أن يُحدث فيها استخلاص بنسبة 1% فقط فارقًا كبيرًا، وصولًا إلى تقليص الاعتماد على الاستيراد أو إلغائه لعدد من العناصر. ويتناول التحليل طيفًا واسعًا يضم 70 عنصرًا مستخدمًا في تطبيقات تمتد من الهواتف إلى الأجهزة الطبية والأقمار الصناعية والطاقة المتجددة والمقاتلات، ويُظهر أن المنتجات الثانوية غير المُستخلَصة من المناجم الأميركية قادرة على تلبية الطلب المحلي لجميع هذه العناصر باستثناء اثنين فقط هما البلاتين والبلاديوم.

    أمثلة رقمية لافتة: الكوبالت والجرمانيوم

     

    يعد الكوبالت، وهو عنصر أساسي في بطاريات السيارات الكهربائية، منتجًا جانبيًا لتعدين النيكل والنحاس. وتشير النتائج إلى أن استخلاص أقل من 10% من الكوبالت الذي يُستخرج ويُعالج حاليًا من دون استخلاص سيكون كافيًا لتغطية كامل سوق البطاريات الأميركي. أما الجرمانيوم، وهو شبه فلز يُستخدم في الإلكترونيات والبصريات تحت الحمراء بما في ذلك حساسات الصواريخ والأقمار الصناعية الدفاعية، فيتواجد في مناجم الزنك والموليبدينوم. وتُظهر التقديرات أن استخلاص أقل من 1% من الجرمانيوم غير المُستخلَص حاليًا من المناجم الأميركية يلغي الحاجة إلى أي واردات لتلبية متطلبات الصناعة.

    فوائد بيئية واقتصادية تتجاوز أمن الإمدادات

     

    لا تقتصر مكاسب الاستخلاص على البُعد الاقتصادي والجيوسياسي، بل تمتد إلى البيئة أيضًا. فبدل إرسال العناصر الحرجة إلى أكوام المخلفات، يحدّ استخلاصها من الأثر البيئي لنفايات المناجم ويفتح فرصًا لإعادة الاستخدام في البناء وقطاعات أخرى. ومع تحديد مواقع الفرص السهلة نسبيًا، تؤكد هولي أهمية إجراء تحليلات تفصيلية للمعادن الحاملة لكل عنصر، ثم اختبار التقنيات الأنسب لاستخلاص تلك العناصر من تلك المعادن بعينها.

    سياسات وحوافز لضمان جدوى الاستثمار

     

    تشير الدراسة إلى حاجة مُلحّة لسياسات تحفّز مشغلي المناجم على إدماج بنى معالجة إضافية داخل المواقع القائمة، لأن القيمة السوقية لبعض هذه العناصر وحدها قد لا تكفي لدفع الشركات إلى الاستثمار في معدات وعمليات جديدة. وبوجود الحوافز الملائمة، يمكن تحويل مسار سلسلة القيمة داخل المناجم الأميركية من مجرد استخراج إلى استخلاصٍ فعلي للعناصر الحرجة التي يتم اليوم هدرها في المخلفات.

    خطوة عملية مقترحة بناءً على الخريطة الجديدة

     

    بعد توفّر قاعدة بيانات تحدد مواقع العناصر وفرص الاستخلاص منخفضة الكلفة، تصبح الخطوة التالية إجراء دراسات موقعية تُبيّن المعادن الحاملة لكل عنصر في كل منجم، تليها تجارب ميدانية على تقنيات الاستخلاص المناسبة. عندئذٍ، حتى نسب استخلاص متواضعة قد تُحدث أثرًا كبيرًا على أمن الإمدادات وتقليل الواردات، مع خفض المخاطر البيئية المرتبطة بتراكم مخلفات المناجم.

    بهذه الصورة، تُظهر الدراسة أن تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء في المعادن الحرجة قد يكون ممكنًا عبر الاستفادة من موارد تُستخرج بالفعل داخل الولايات المتحدة ولكنها تُهدر، وأن الاستثمار في الاستخلاص ضمن المواقع القائمة يمكن أن يحقق مكاسب متزامنة للصناعة والبيئة معًا.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط