رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
02:35 م calendar السبت 18 يوليو 2026

تقرير نادي الألب النمساوي يرصد تسارع تفكك الأنهار الجليدية في جبال الألب

قياسات تمتد لأكثر من قرن تكشف انسحاب معظم الأنهار الجليدية في النمسا خلال 2024-2025.

تقرير نادي الألب
تقرير نادي الألب النمساوي يكشف تسارع انسحاب الأنهار الجليدية في جبال الألب بسبب تغير المناخ - Illustration

    ملخص

    كشف تقرير الأنهار الجليدية الصادر عن نادي الألب النمساوي أن معظم الأنهار الجليدية في النمسا لم تعد تقتصر على التراجع في الحجم، بل بدأت تدخل مرحلة تفكك هيكلي واضح. وأظهرت القياسات الخاصة بموسم 2024-2025 أن 94 نهرًا جليديًا من أصل 96 خاضعة للمراقبة سجلت انسحابًا في الطول، بينما بقي اثنان فقط دون تغير يُذكر بسبب تراكم عرضي لثلوج الانهيارات. ويستند التقرير إلى سلسلة قياسات علمية تمتد لأكثر من 135 عامًا، ويشير إلى أن هذه التطورات ترتبط بظروف مناخية غير مواتية وارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة في جبال الألب، ما يعكس تسارع تأثير تغير المناخ في المنطقة.

    تغير المناخ يسرّع تراجع الأنهار الجليدية في جبال الألب بالنمسا - Illustration
    تغير المناخ يسرّع تراجع الأنهار الجليدية في جبال الألب بالنمسا - Illustration

    أعلن نادي الألب النمساوي في تقريره السنوي حول حالة الأنهار الجليدية أن التطورات المسجلة خلال الفترة 2024-2025 تشير إلى مرحلة جديدة من التغير في جبال الألب. فالتقرير يوضح أن معظم الأنهار الجليدية في النمسا لم تعد تشهد تراجعًا في الحجم فقط، بل بدأت تدخل مرحلة تفكك بنيوي واضح نتيجة تأثيرات تغير المناخ. ويعتمد هذا التقرير على قياسات ميدانية متواصلة تمتد لأكثر من قرن، ما يمنح الباحثين قاعدة بيانات طويلة تسمح برصد التحولات في هذه الكتل الجليدية عبر الزمن.

    قياسات نادي الألب النمساوي تظهر انسحابًا واسعًا للأنهار الجليدية

     

    تشير البيانات التي جمعها نادي الألب النمساوي إلى أن 94 نهرًا جليديًا من أصل 96 نهرًا يخضع للمراقبة سجلت تراجعًا خلال الفترة 2024-2025، بينما لم يظهر تغير واضح سوى في نهرين فقط نتيجة تراكم عرضي لثلوج الانهيارات. أما متوسط الانسحاب المسجل لدى 79 نهرًا جليديًا تم قياسها في العامين المتتاليين فبلغ 20.3 مترًا. ويضع هذا الرقم الموسم الحالي في المرتبة الثامنة ضمن أعلى قيم الانسحاب في سلسلة القياسات التي تمتد إلى 135 عامًا من المراقبة العلمية المستمرة.

    أكبر خسائر مسجلة في أنهار جليدية بجبال الألب

     

    وفق التقرير، شهد نهر ألباينر فيرنر الواقع في منطقة الستوباير ألبن بولاية تيرول أكبر تراجع مسجل، إذ بلغ انسحابه 114.3 مترًا خلال الفترة محل الدراسة. وجاء بعده نهر سونبيك كيس، وتحديدًا اللسان الرئيسي لهذا النهر في مجموعة غراناتسبيتز بولاية سالزبورغ، حيث تجاوز التراجع 103.9 متر. كما سجل نهر كريملر كيس في مجموعة فينيديغر في سالزبورغ انسحابًا بلغ 90.3 متر. ويشير التقرير أيضًا إلى خسائر ملحوظة في أنهار أخرى مثل بيرغلاس فيرنر وكلاينيليند كيس، ما يعكس اتساع نطاق التراجع عبر عدة مناطق في جبال الألب النمساوية.

    سلط التقرير الضوء على حالة نهر باستيرز، أكبر نهر جليدي في النمسا، الواقع في منطقة غلوكنر بولاية كارينثيا. ويشهد اللسان الجليدي لهذا النهر تفككًا سريعًا، إذ يقترب من الانفصال عن الجزء العلوي المتصل به، وهو ما قد يؤدي إلى انقسام النهر الجليدي إلى قسمين منفصلين. وإذا حدث ذلك، فإن الجزء الأمامي سيتحول إلى ما يعرف بالجليد الميت الذي يذوب تدريجيًا. وخلال العام الحالي، سجل اللسان الرئيسي لنهر باستيرز انسحابًا بلغ 54 مترًا، وهو مؤشر يندرج ضمن اتجاه أوسع يشير إلى تغيرات ملحوظة في المشهد الطبيعي لجبال الألب.

    علماء يشرحون مرحلة التفكك الهيكلي للأنهار الجليدية

     

    أوضح العالم أندرياس كيلرر-بيركلباور من جامعة غراتس، وهو أحد المشاركين في إدارة خدمة قياس الأنهار الجليدية التابعة لنادي الألب النمساوي، طبيعة التحول الذي تمر به هذه الأنهار. وقال: "العديد من الأنهار الجليدية لا تفقد طولها فحسب، بل تدخل مرحلة تفكك هيكلي متزايدة، حيث تظهر صخور مكشوفة وأجزاء جليدية تنفصل وألسنة جليدية تتهدم على نفسها، مما يشكل المشهد الطبيعي بشكل متزايد". وأضاف كيلرر-بيركلباور أن بعض هذه الأنهار فقدت بالفعل جزءًا كبيرًا من كتلتها الجليدية، إلى درجة أن فترات التبريد القصيرة، مثل تلك التي سُجلت في يوليو 2025، لم تعد تؤثر فيها بشكل ملحوظ.

    تحذيرات نادي الألب النمساوي من استمرار الاتجاه السلبي

     

    من جانبه أكد غيرهارد ليب، الشريك في قيادة خدمة قياس الأنهار الجليدية في نادي الألب النمساوي، أن سلسلة السنوات ذات النتائج السلبية القاسية بالنسبة للأنهار الجليدية لا تزال مستمرة. وقال ليب: "سلسلة السنوات الشديدة السلبية على الأنهار الجليدية مستمرة، ولا ينبغي تفسير انخفاض المتوسط قليلاً عن الأرقام القياسية السابقة على أنه تحسن". بدورها شددت نيكول سلوبيتسكي، نائبة رئيس نادي الألب النمساوي، على أن التغيرات التي تشهدها جبال الألب أصبحت ملموسة بوضوح، وقالت: "تغير المناخ أصبح واقعًا ملموسًا في جبال الألب، ولم يعد السؤال يتعلق بإنقاذ الأنهار الجليدية في شكلها القديم، بل بتخفيف العواقب على البشر والطبيعة".

    تراجع الأنهار الجليدية في جبال الألب بسبب تغير المناخ - Illustration
    تراجع الأنهار الجليدية في جبال الألب بسبب تغير المناخ - Illustration

    تغير المناخ والظروف الجوية غير المواتية في جبال الألب

     

    يربط التقرير هذه التطورات بظروف جوية غير اعتيادية شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة. فقد تميز الشتاء بدرجات حرارة مرتفعة نسبيًا مع قلة في كميات الثلوج، ثم أعقبه صيف مبكر وحار على نحو غير معتاد. وسجل شهر يونيو درجات حرارة أعلى بنحو خمس درجات مئوية مقارنة بالمعدل طويل الأمد، كما شهدت المنطقة عجزًا في الهطول بنسبة 24.5%. وتشير بيانات محطات القياس في المرتفعات الجبلية إلى ارتفاع سنوي في درجات الحرارة بلغ درجتين مئويتين، وهو ما يعكس الاتجاه العام لارتفاع حرارة جبال الألب بمعدل يقارب ضعف المتوسط العالمي.

    تاريخ طويل لمراقبة الأنهار الجليدية في النمسا

     

    يمتلك نادي الألب النمساوي تقليدًا علميًا طويلًا في متابعة الأنهار الجليدية يعود إلى عام 1891، عندما أطلق حملة لجمع بيانات القياس بمشاركة متطوعين. ومع مرور الوقت توسعت هذه الجهود لتشمل مراقبة نحو مئة نهر جليدي في أنحاء النمسا. ومؤخرًا أطلق النادي منصة رقمية تحمل اسم "غليتشر مونيتور" تتيح عرض البيانات التاريخية والحديثة بشكل تفاعلي، ما يسمح بتتبع تطور التراجع الذي تسارع بشكل واضح خلال العقود الأخيرة. وتشير السجلات إلى أن معظم الأنهار الجليدية بدأت منذ ستينيات القرن الماضي تشهد انسحابًا مستمرًا، مع تسجيل أرقام قياسية جديدة في السنوات الأخيرة.

    آثار تراجع الأنهار الجليدية على البيئة والاقتصاد

     

    لا يقتصر تأثير انسحاب الأنهار الجليدية على تغير شكل المناظر الطبيعية فحسب، بل يمتد إلى جوانب بيئية واقتصادية متعددة. فالتقرير يشير إلى تغيرات في التوازن المائي للمنطقة، إضافة إلى ارتفاع مخاطر الكوارث الطبيعية مثل الانهيارات الصخرية والانهيارات الجليدية. كما يهدد هذا التراجع البنية التحتية في المناطق الجبلية، ويؤثر في قطاعات السياحة والطاقة الكهرومائية والحياة البرية. وفي بعض الحالات كان فقدان الجليد هائلًا، كما يظهر مثال نهر سيكارليس فيرنر الذي فقد كمية جليد تعادل مكعبًا يبلغ طول ضلعه 110 أمتار، وهو حجم يوازي تقريبًا المساحة اللازمة لاستيعاب كاتدرائية القديس ستيفان في فيينا.

    تحذيرات علمية من تغير جذري في جبال الألب

     

    يحذر علماء، من بينهم خبراء في أكاديمية العلوم النمساوية، من أن الاتجاه الحالي يشير إلى تغير جذري في المشهد الطبيعي لجبال الألب. فمع استمرار تراجع الأنهار الجليدية تتحول مساحات واسعة من الجليد الدائم إلى مناطق صخرية مكشوفة. ويشير التقرير إلى أن التركيز الحالي بات ينصب على التكيف مع العواقب المحتملة، إلى جانب الدعوة لمراجعة السلوكيات الشخصية والسياسات الحكومية بهدف التعامل مع التحديات التي تفرضها هذه التغيرات السريعة، والتي بدأت تؤثر في الحياة اليومية داخل المناطق الجبلية.

    تم نسخ الرابط