يريفان تستضيف القمة الثامنة للمجتمع السياسي الأوروبي وسط تقارب أرميني أوروبي
القادة الأوروبيون يجتمعون في أرمينيا وسط تقارب متزايد مع أوروبا ومراقبة روسية حذرة.
ملخص
تستضيف العاصمة الأرمينية يريفان القمة الثامنة للمجتمع السياسي الأوروبي، يليها أول اجتماع ثنائي بين الاتحاد الأوروبي وأرمينيا، في خطوة تعكس تنامي العلاقات بين الجانبين. يشارك في الاجتماعات أكثر من ثلاثين قائدًا أوروبيًا، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين الدوليين، لمناقشة قضايا الأمن والديمقراطية والطاقة والاتصالية. وتأتي هذه التحركات في ظل تغير واضح في توجهات السياسة الخارجية الأرمينية بعد تراجع ثقة يريفان في الضمانات الأمنية الروسية، بينما تتابع موسكو هذا المسار بحذر، مع استمرار الجدل حول مستقبل توازن أرمينيا بين أوروبا وروسيا.

يريفان تتحول إلى مركز دبلوماسي أوروبي بارز
تشهد العاصمة الأرمينية يريفان اليوم انعقاد القمة الثامنة للمجتمع السياسي الأوروبي تحت شعار "بناء المستقبل: الوحدة والاستقرار في أوروبا"، بمشاركة أكثر من ثلاثين قائدًا أوروبيًا، في واحدة من أبرز الفعاليات السياسية التي تستضيفها البلاد منذ استقلالها. ويعقب هذه القمة غدًا أول اجتماع ثنائي رسمي بين الاتحاد الأوروبي وأرمينيا، ما يمنح الحدثين أهمية سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي التقليدي.
ويشارك في الاجتماعات عدد من أبرز القادة، بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، إضافة إلى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في أول مشاركة له ضمن هذا الإطار، إلى جانب قادة من رومانيا ومولدوفا وسويسرا واليونان ودول أوروبية أخرى.
ملفات الأمن والطاقة والديمقراطية على جدول الأعمال
بحسب البرنامج الرسمي الصادر عن الاتحاد الأوروبي، تناقش قمة المجتمع السياسي الأوروبي مجموعة واسعة من الملفات المرتبطة بتعزيز الصمود الديمقراطي، وتطوير الاتصالية، وتعزيز الأمن الاقتصادي وأمن الطاقة، إضافة إلى قضايا الأمن الإقليمي والدولي.
أما القمة الثنائية بين أرمينيا والاتحاد الأوروبي، فتتجه بشكل أكبر نحو العلاقات العملية بين الطرفين، مع التركيز على التعاون في مجالات الطاقة والنقل والتحول الرقمي، إلى جانب إطلاق شراكة جديدة في الاتصالية تتضمن حوارات رفيعة المستوى. كما تشمل المناقشات ملفات السلام والاستقرار في جنوب القوقاز، فضلًا عن التطورات المتعلقة بالحرب في أوكرانيا والأوضاع في الشرق الأوسط.
تحول تدريجي في السياسة الخارجية الأرمينية
تمثل هذه الاجتماعات محطة جديدة في التحول الاستراتيجي الذي تشهده السياسة الخارجية الأرمينية خلال السنوات الأخيرة. فعلى مدى عقود، اعتُبرت أرمينيا من أقرب حلفاء روسيا في جنوب القوقاز، سواء عبر عضويتها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي أو من خلال انضمامها إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
لكن هذا التوجه بدأ يتغير بشكل ملحوظ بعد النزاعات مع أذربيجان في ناغورنو كاراباخ خلال عامي 2020 و2023، حيث تصاعدت في يريفان الشكوك بشأن فعالية الدعم الروسي. وفي ضوء ذلك، علّقت أرمينيا مشاركتها العملية في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، بينما أعلن رئيس الوزراء نيكول باشينيان توجه بلاده نحو تعزيز علاقاتها الأوروبية، بما يشمل نية التقدم بطلب عضوية في الاتحاد الأوروبي.

باشينيان يربط المسار الأوروبي بالإرادة الشعبية
أكد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان في تصريحات سابقة أن مستقبل علاقات بلاده مع أوروبا أو روسيا يجب أن يُحسم عبر القرار الديمقراطي للشعب الأرميني. ويُنظر إلى استضافة يريفان لهذه القمم بوصفها مؤشرًا سياسيًا على رغبة القيادة الأرمينية في ترسيخ هذا التحول، بدعم أوروبي واضح.
كما ترى مؤسسات أوروبية أن تعزيز التعاون مع أرمينيا يأتي في إطار دعم الاستقرار والإصلاحات الاقتصادية والأمنية، خاصة في مرحلة حساسة تمر بها البلاد بعد توقيع اتفاق سلام مع أذربيجان بوساطة أمريكية خلال العام الماضي.
روسيا تتابع التحركات وتحذر من تعارض المسارات
في المقابل، تراقب موسكو هذا التقارب الأوروبي الأرميني بحذر متزايد. وخلال اجتماع جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نيكول باشينيان في الكرملين مطلع أبريل، شدد بوتين على أن أرمينيا لا يمكنها الجمع بين عضوية الاتحاد الأوروبي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي بسبب التناقض بين النظامين الجمركيين.
ورغم تأكيد بوتين أن موسكو تتعامل بهدوء مع التقارب الأرميني الأوروبي، فإن مسؤولين روسًا آخرين أبدوا قلقهم من تأثير هذا المسار على التحالف القائم بين البلدين وعلى مستقبل التكامل في فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي.
تتجاوز قمم يريفان كونها مجرد اجتماعات سياسية، إذ تعكس تحولات أوسع في موازين القوى والتحالفات داخل جنوب القوقاز، وهي منطقة ظلت طويلًا ضمن دائرة النفوذ الروسي التقليدي. وبينما تسعى أرمينيا إلى بناء شراكات أوسع مع أوروبا دون خسارة علاقاتها التاريخية مع موسكو، يبقى مستقبل هذا التوازن مرهونًا بالتطورات السياسية والإقليمية خلال المرحلة المقبلة.




