المحكمة الجنائية الدولية تتهم الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في إطار "الحرب على المخدرات"
خطوة تاريخية غير مسبوقة تجعل دوتيرتي أول رئيس آسيوي سابق يواجه المحاكمة في لاهاي على خلفية انتهاكات حقوقية واسعة
اتهامات تاريخية تضع رودريغو دوتيرتي أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وسط انقسام داخلي في الفلبين بين أنصاره ومعارضيه وتأييد حقوقي واسع للمحاكمة.
أعلنت المحكمة الجنائية الدولية في 23 سبتمبر 2025 توجيه اتهامات رسمية ضد الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، في قضية غير مسبوقة في آسيا. دوتيرتي يواجه ثلاث تهم رئيسية تتعلق بالقتل الممنهج في إطار "الحرب على المخدرات" التي أطلقها خلال فترة حكمه، وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف وفق تقديرات حقوقية. وقد اعتُقل في مانيلا في مارس 2025 ونُقل إلى لاهاي بانتظار تقييم لياقته للمثول أمام المحكمة. بينما رحبت منظمات حقوقية بالخطوة واعتبرتها انتصارًا للعدالة، وصفها أنصاره بأنها ملاحقة سياسية مرتبطة بالخلاف مع الرئيس الحالي فرديناند ماركوس جونيور. القضية، بما تحمله من أبعاد سياسية وقانونية، قد تعيد رسم ملامح المشهد في الفلبين وتزيد من الاستقطاب الداخلي.

المحكمة الجنائية الدولية تتهم الرئيس الفلبيني السابق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية
في خطوة غير مسبوقة، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية يوم 23 سبتمبر 2025 توجيه اتهامات رسمية ضد الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بسبب الجرائم التي ارتُكبت في إطار "الحرب على المخدرات". الإعلان جاء بعد اعتقال دوتيرتي في مانيلا في مارس الماضي ونقله إلى لاهاي، حيث يُحتجز بانتظار تقييم حالته الصحية لتحديد قدرته على المثول أمام المحكمة.
خلفية الحرب على المخدرات
بدأ دوتيرتي سياسته المثيرة للجدل منذ توليه منصب عمدة مدينة دافاو، حين أسس ما عُرف بـ"فرقة الموت"، وهي مجموعة ضمت عناصر أمنية وأفرادًا من خارج القانون نفذت عمليات تصفية بحق المشتبه بهم. ومع انتخابه رئيسًا عام 2016، وسّع هذه السياسة على مستوى البلاد عبر شبكة وطنية ضمت قوات نظامية ومجموعات غير رسمية. وخلال سنوات حكمه، صرّح علنًا بأن أعداد القتلى قد تصل إلى مئة ألف، وأن "الأسماك في خليج مانيلا ستتغذى على الجثث". بينما تشير الإحصاءات الرسمية إلى أكثر من 6,000 قتيل، تقدر منظمات حقوق الإنسان أن الأعداد بلغت عشرات الآلاف.
تفاصيل الاتهامات أمام المحكمة الدولية
المدعون قسموا القضية إلى ثلاث تهم رئيسية جميعها تندرج تحت جرائم القتل المصنفة كجرائم ضد الإنسانية بموجب المادة 7(1)(أ) من نظام روما الأساسي:
- القضية الأولى: مقتل 19 شخصًا في دافاو بين 2013 و2016، حين كان دوتيرتي عمدة المدينة، حيث اعتُبر مشاركًا غير مباشر عبر التحريض والتوجيه.
- القضية الثانية: مقتل 14 شخصًا من "الأهداف عالية القيمة" بين 2016 و2017 باستخدام قوائم "PRRD" ورصد مكافآت مالية لمنفذي الاغتيالات.
- القضية الثالثة: مقتل 43 شخصًا ومحاولة قتل آخرين بين 2016 و2018 بوسائل تضمنت إطلاق النار والطعن والخنق.
يمتد نطاق الاتهامات من نوفمبر 2011 حتى مارس 2019، ويؤكد الادعاء أن دوتيرتي لم يكن مجرد قائد سياسي، بل مهندس سياسة منهجية مدعومة بغطاء الدولة عبر تعيين مقربين من دافاو في مناصب وطنية، وتوفير أسلحة وملاذات آمنة للمجموعات المنفذة.

ردود الفعل على الاتهامات
في تصريحات سابقة، قال دوتيرتي إنه "قام بما يجب القيام به" دفاعًا عن بلاده، وأبدى استعداده لتحمل المسؤولية "دون اعتذار". غير أن فريق دفاعه دفع بأن موكله يعاني من "ضعف إدراكي" يستدعي تأجيل المحاكمة إلى أجل غير مسمى، ما أدى إلى تعليق الجلسة المقررة في سبتمبر.
من جانبها، أعلنت حكومة الرئيس الحالي فرديناند ماركوس جونيور رفضها التعاون مع المحكمة، بينما اعتبر أنصار دوتيرتي القضية "استهدافًا سياسيًا" بسبب التنافس بين العائلتين. في المقابل، أشادت منظمات حقوق الإنسان بالخطوة، معتبرة إياها بداية لمسار عدالة طال انتظاره لآلاف الضحايا.
الأبعاد السياسية والتاريخية للقضية
تشكل قضية دوتيرتي سابقة في تاريخ آسيا، إذ أصبح أول رئيس آسيوي سابق يمثل أمام المحكمة الجنائية الدولية، وأول متهم يُنقل إلى لاهاي منذ أكثر من ثلاث سنوات. ورغم اعتقاله، فاز في مايو 2025 بمنصب عمدة دافاو، وهو ما يعكس استمرار شعبيته المحلية، مع تولي ابنه سيباستيان المنصب بالنيابة.
القضية مرشحة لإعادة تشكيل المشهد السياسي الفلبيني، خصوصًا مع تصاعد التوتر بين دوتيرتي والرئيس الحالي ماركوس، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقطاب الداخلي قد تؤثر على مستقبل النظام السياسي في البلاد.
العدالة الدولية في مواجهة إرث دموي
إحالة دوتيرتي إلى المحكمة الجنائية الدولية تمثل اختبارًا لمصداقية العدالة الدولية في مواجهة سياسات القتل الممنهج، كما تضع الفلبين أمام تحدي التوفيق بين العدالة والمصالح السياسية، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخها الحديث.




