رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
09:10 م calendar السبت 18 يوليو 2026

التحقيق الإيطالي في سفاري القناصة يعيد أشباح سراييفو

بعد ثلاثة عقود من الصمت، تعود ذاكرة سراييفو لتفتح جرحاً لم يلتئم، مع تحقيق إيطالي يبحث عن حقيقة رحلات الموت التي تحولت فيها الحرب إلى لعبة قنص بشرية.

التحقيق الإيطالي
التحقيق الإيطالي في سفاري القناصة يعيد فتح جروح حصار سراييفو - Illustration

    ملخص

    حصار سراييفو، أحد أكثر فصول حرب البوسنة مأساوية، يعود إلى الواجهة من خلال التحقيق الإيطالي في سفاري القناصة، الذي يسعى إلى كشف مزاعم صيد البشر خلال الحرب. تشير الأدلة إلى رحلات نظمها أثرياء أجانب أطلقوا النار على المدنيين في تلال سراييفو، في ما يشبه ترفيهاً دموياً. التحقيق الذي يقوده المدعي العام في ميلانو يعتمد على وثائق وشهادات من ضباط بوسنيين وصحفيين، في محاولة لاستعادة العدالة بعد ثلاثين عاماً من الصمت. وبينما ينكر البعض القصة باعتبارها أسطورة، تبقى جراح الضحايا دليلاً على أن الحرب لم تنته بعد في الذاكرة، وأن البحث عن العدالة في حرب البوسنة ما زال مستمراً.

      رحلات الموت التي تحولت فيها الحرب إلى لعبة قنص بشرية - Illustration
      رحلات الموت التي تحولت فيها الحرب إلى لعبة قنص بشرية - Illustration

    عودة الجرح البوسني: بداية الحديث عن الألم


    حصار سراييفو لم يكن مجرد فصل من الحرب؛ كان جرحاً مفتوحاً على الإنسانية. أكثر من أحد عشر ألف قتيل، وآلاف الأطفال الذين تحوّلت ألعابهم إلى صرخات. وسط هذا الجحيم، تخرج اليوم رواية أكثر إيلاماً: أجانب أثرياء جاءوا ليصطادوا البشر كما لو كانت الحرب نزهة دموية. التحقيق الإيطالي الذي بدأ في ميلانو لا يبحث فقط عن القتلة، بل عن معنى العدالة بعد ثلاثين عاماً من الصمت.

    رحلات الموت: حين تتحول الحرب إلى ترفيه


    تشير الشهادات إلى ما سُمي بـ"سفاري القناصة"، رحلات نهاية أسبوع انطلقت من ترييستي الإيطالية نحو بلغراد، ثم إلى تلال سراييفو الخاضعة للصرب. هناك، كان المدنيون أهدافاً في لعبة مأساوية، يُقال إن الأطفال كانوا الأغلى ثمناً في قائمة الأسعار. دفع البعض ما يصل إلى مئة ألف يورو ليطلق رصاصة على جسد بريء. آخرون نفوا الرواية تماماً، قائلين إنها أسطورة حضرية وُلدت من رماد الخوف، لكن أصوات الناجين تقول غير ذلك.

    بين الأسطورة والحقيقة: شهادات تتكلم بعد الصمت


    التحقيق الجديد يستند إلى وثائق الصحفي الإيطالي إيزيو غافازيني وشهادات ضباط بوسنيين مثل إيدين سوباشيتش، الذين تحدثوا عن أسرى صرب كشفوا وجود إيطاليين بين القناصة. الناجون يتذكرون عطلات نهاية الأسبوع بأنها "الأكثر دموية"، حين كانوا يشعرون أن المدينة تحت رحمة غرباء جاءوا من أجل التسلية. بين الإنكار والاعتراف، يقف الضمير الإنساني حائراً: هل يمكن أن تتحول الحرب فعلاً إلى مهرجان رعب مدفوع الأجر؟

    تحقيق إيطالي في سفاري القناصة - Illustration
    تحقيق إيطالي في سفاري القناصة - Illustration

    إيطاليا تبحث عن الحقيقة المفقودة


    في ميلانو، يجلس المدعي العام أليساندرو غوبيس أمام ملفات قديمة وصور باهتة، يحاول أن يعيد ترتيب الزمن. التهم الموجهة تتعلق بالقتل المتعمد في ظروف قاسية، وهي لا تسقط بالتقادم. الشرطة الإيطالية تتعاون مع النيابة البوسنية ومع شهود من سراييفو، بينما تظل بعض الأدلة طيّ الأسرار داخل أرشيفات الاستخبارات. الصحفيون الذين أعادوا إشعال القضية يؤكدون أن "العدالة قد تأتي متأخرة، لكنها لا تموت".

    أصوات من تحت الركام: وجوه الضحايا تنطق


    في ذاكرة سراييفو، ما زالت أسماء الأطفال تتردد كأغنية حزينة. سمير تشيسيتش، الذي فقد ابنته الرضيعة عام 1993، يسأل: "كيف يمكن لإنسان أن يسدد سلاحه نحو طفل؟" الناجون لا يطلبون الانتقام، بل اعترافاً بأن ما حدث لم يكن شائعة. بنيامينا كاريتش، الرئيسة السابقة لبلدية سراييفو، قالت: "أن يأتي أثرياء لقتل أطفالنا للمتعة، هو أقسى ما يمكن تخيله." كلماتها تختصر ما يشعر به كل من عاش الحصار.

    عدالة مؤجلة: بين الذاكرة والمحاسبة


    التحقيق قد يكون الخطوة الأولى نحو عدالة تأخرت كثيراً. لكنه يواجه جدراناً من الصمت، وبلداناً ترفض تسليم المشتبه بهم، وملفات أغلقت قبل أن تُفتح. ومع ذلك، فإن إعادة فتح الجرح أفضل من تركه يتعفن. كما قالت المتحدثة السابقة لمحكمة لاهاي فلورنس هارتمان: "كنا نعرف أن هناك شيئاً، لكننا لم نعرف من وراءه. الآن علينا أن نعرف."

    ما بعد الحصار: اختبار إنساني جديد


    بين الحقيقة والأسطورة، يقف هذا التحقيق الإيطالي كتذكير بأن الحرب ليست فقط ساحة معركة، بل اختبار أخلاقي للبشرية كلها. فحين يصبح القنص تسلية، تسقط كل القيم. واليوم، حين تعود إيطاليا للبحث في تلك الظلال القديمة، فإنها لا تلاحق القتلة فقط، بل تحاول إنقاذ ضمير العالم من النسيان.

    تم نسخ الرابط