رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
12:24 م calendar السبت 18 يوليو 2026

أزمة المياه في العراق: اتفاق مع تركيا يثير الجدل بين الإنقاذ والتبعية

جفاف غير مسبوق، نزوح داخلي، واتفاق نفطي–مائي يعيد رسم ملامح الأمن المائي العراقي

العراق يواجه أسوأ
العراق يواجه أسوأ أزمة مياه منذ قرن في ظل تغير المناخ وسدود دول المنبع - Illustration

    ملخص

    يعيش العراق واحدة من أخطر أزماته المائية منذ قرن، نتيجة تراجع حاد في تدفقات دجلة والفرات، بفعل تغير المناخ، والسدود في دول المنبع، وسوء الإدارة الداخلية. وفي محاولة لاحتواء الأزمة، وقع العراق اتفاق تعاون مائي مع تركيا في نوفمبر 2025، ممول بإيرادات نفطية، لضمان تدفق مستقر للمياه وتنفيذ مشاريع بنية تحتية. غير أن الاتفاق أثار انقسامًا واسعًا بين من يراه خطوة إنقاذية، ومن يحذر من مخاطر التبعية وتآكل السيادة.

    أسوأ أزمة مياه منذ قرن في العراق
    أسوأ أزمة مياه منذ قرن في العراق 

    العراق على حافة العطش

     

    يعتمد العراق، المعروف تاريخيًا بـ“أرض ما بين النهرين”، على دجلة والفرات لتأمين ما يزيد على 60% من موارده المائية. إلا أن تدفقات النهرين شهدت تراجعًا حادًا خلال السنوات الأخيرة، نتيجة جفاف شديد مرتبط بتغير المناخ، وبناء سدود ضخمة في دول المنبع، ولا سيما تركيا التي تسيطر على نحو 70% من مصادر المياه المتدفقة إلى العراق.
    ويُضاف إلى ذلك ضعف البنية التحتية المائية، وسوء إدارة الموارد بعد عقود من الحروب والعقوبات والفساد، في وقت يستهلك فيه القطاع الزراعي أكثر من 80% من المياه المتاحة، مع تزايد عدد السكان إلى أكثر من 46 مليون نسمة.

    تداعيات إنسانية وبيئية خطيرة

     

    لم تعد أزمة المياه مسألة فنية فحسب، بل تحولت إلى أزمة إنسانية. فقد أدى الجفاف وتدهور الأراضي الزراعية إلى نزوح أكثر من 168 ألف شخص داخليًا، خاصة في محافظات الجنوب مثل ذي قار والديوانية وميسان.
    مزارعون كُثر اضطروا لترك أراضيهم بعد جفاف الحقول ونفوق المواشي، وانتقلوا إلى أعمال هامشية في المدن، وسط مخاوف من تفاقم الهجرة الداخلية واتساع رقعة الفقر.

    اتفاق عراقي–تركي مثير للجدل

     

    في نوفمبر 2025، وقع العراق وتركيا اتفاقية إطار للتعاون المائي، تُعد امتدادًا لاتفاق سابق أُبرم في أبريل 2024. ينص الاتفاق على تمويل مشاريع بنية تحتية مائية داخل العراق باستخدام إيرادات نفطية عراقية، تُودع في صندوق خاص لدفع تكاليف مشاريع تنفذها شركات تركية.
    تشمل المرحلة الأولى ثلاثة سدود لجمع المياه، إلى جانب مشاريع لاستصلاح الأراضي، ويُسوَّق الاتفاق على أنه آلية “ملزمة” لضمان تدفق مستقر للمياه وفق احتياجات العراق الزراعية والصناعية والاستهلاكية.

    انقسام حاد حول جدوى الاتفاق

     

    ترى الحكومة العراقية وبعض المسؤولين أن الاتفاق يمثل خطوة تاريخية نحو تعزيز الأمن المائي، وتحسين كفاءة إدارة الموارد، وتخفيف آثار الجفاف.
    في المقابل، يواجه الاتفاق انتقادات واسعة من خبراء وباحثين، يعتبرونه غير متوازن ويمنح تركيا نفوذًا جيوسياسيًا متزايدًا على حساب السيادة العراقية. ويحذر منتقدون من أن ربط المياه بإيرادات النفط قد يفتح الباب أمام تبعية طويلة الأمد، فضلًا عن مخاطر الفساد وضعف الشفافية في تنفيذ المشاريع.

    يشير مختصون إلى أن أزمة المياه في العراق لا يمكن حلها باتفاق ثنائي فقط، بل تتطلب إصلاحات داخلية جذرية، تشمل تحديث أساليب الري، وتقليل الهدر الزراعي، ومكافحة الفساد في إدارة الموارد. كما يدعون إلى تفعيل القانون الدولي للمجاري المائية، والسعي إلى اتفاقيات إقليمية أوسع تضم سوريا وإيران، لضمان تقاسم عادل ومستدام للمياه.

    مستقبل غامض بين الضرورة والمخاطر

     

    بينما يرى البعض في الاتفاق مع تركيا فرصة لتخفيف حدة الأزمة ومنع الانهيار البيئي، يحذر آخرون من أنه قد يتحول إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي في المستقبل. ومع استمرار تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، يبقى الأمن المائي أحد أخطر التحديات الوجودية التي تواجه العراق، ما يجعل أي حل مؤقتًا ما لم يُدعّم برؤية وطنية شاملة واستراتيجية طويلة الأمد.

    تم نسخ الرابط