تصعيد دموي منسق في إقليم بلوشستان يحصد عشرات القتلى
هجمات مسلحة واسعة في جنوب غرب باكستان تكشف عمق الأزمة الأمنية المستمرة.
ملخص
شهد إقليم بلوشستان في جنوب غرب باكستان تصعيدًا أمنيًا غير مسبوق مع تنفيذ هجمات منسقة بالأسلحة النارية والمتفجرات في عدة مناطق، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى من المدنيين وأفراد قوات الأمن والمهاجمين. وأكد الجيش الباكستاني أن العمليات امتدت إلى مدن ومناطق متعددة، من بينها كويتا ونوشكي وجوادر وخضدار وتوربات وباسني وخران، في وقت أعلنت فيه جماعة جيش تحرير بلوشستان مسؤوليتها عن الهجمات. وأطلقت السلطات تحقيقات موسعة، فيما واصلت القوات الأمنية ملاحقة المسلحين، وسط تحذيرات من تصعيد جديد في إقليم يعاني اضطرابات مزمنة منذ عقود.

بلوشستان في قلب موجة هجمات منسقة غير مسبوقة
تعرض إقليم بلوشستان، أكبر أقاليم باكستان من حيث المساحة وأقلها كثافة سكانية، لسلسلة هجمات منسقة نفذها مسلحون في 31 يناير، استهدفت مواقع أمنية ومنشآت مدنية وبنى تحتية في عدد واسع من المناطق. ووفق بيانات صادرة عن الجيش الباكستاني، طالت الهجمات ما لا يقل عن اثنتي عشرة منطقة، شملت محيط العاصمة الإقليمية كويتا ومدنًا ساحلية وداخلية أخرى، في تصعيد وصفته السلطات بأنه من الأخطر خلال السنوات الأخيرة في الإقليم.
خسائر بشرية كبيرة وفق بيانات الجيش الباكستاني
أعلن جيش باكستان أن الهجمات أسفرت عن مقتل 18 مدنيًا و15 من أفراد قوات الأمن، في حين تمكنت القوات المسلحة من قتل 92 من المهاجمين خلال عمليات الرد والملاحقة. وأوضح الجيش أن الاشتباكات استمرت حتى اليوم التالي، مع ملاحقة مجموعات مسلحة حاولت الفرار من مواقع الهجوم، مشيرًا إلى أن الأرقام مرشحة للارتفاع مع استمرار عمليات التمشيط في بعض المناطق النائية.
تفاصيل الهجمات وتوسّع نطاق الفوضى
بحسب ما أفادت به السلطات العسكرية والأمنية، شملت الهجمات عمليات إطلاق نار وتفجيرات متزامنة، إضافة إلى أعمال تخريب طالت بنوكًا ومراكز شرطة ومركبات مدنية. وأشارت التقارير إلى أن بعض المسلحين أضرموا النار في منشآت حكومية واستولوا على أموال من فروع مصرفية، ما أدى إلى حالة من الفوضى والذعر بين السكان، خصوصًا في المناطق التي تفتقر إلى وجود أمني كثيف.
أعلنت جماعة جيش تحرير بلوشستان، المصنفة تنظيمًا إرهابيًا ومحظورة في باكستان والولايات المتحدة، مسؤوليتها عن الهجمات، وأطلقت عليها اسم “هيروف – المرحلة الثانية”. وفي بيان وُزع على وسائل إعلام، قالت الجماعة إن مقاتليها نفذوا عمليات منسقة في 14 مدينة، واستهدفوا قوات الجيش والشرطة ومسؤولين إداريين، مدعية إيقاع خسائر كبيرة في صفوف القوات الباكستانية. وتتبنى الجماعة خطابًا انفصاليًا وتطالب باستقلال إقليم بلوشستان.
خلفية تاريخية للصراع في إقليم بلوشستان
يُعد إقليم بلوشستان بؤرة توتر مزمنة منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث تشهد المنطقة تمردًا منخفض الحدة تقوده جماعات انفصالية، على رأسها جيش تحرير بلوشستان. ويستند هذا التمرد إلى شكاوى تتعلق بتوزيع الثروات، إذ يتهم سكان محليون الحكومة المركزية في إسلام آباد باستغلال موارد الإقليم من الغاز الطبيعي والمعادن، مع تهميش السكان الأصليين. وتُعد مشاريع كبرى، من بينها ميناء جوادر المدعوم صينيًا، محورًا أساسيًا في هذا الجدل المستمر.

ردود رسمية وتحذيرات من تصعيد إضافي
دان وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي الهجمات، واصفًا إياها بأعمال “فتنة الهندستان”، وهو توصيف تستخدمه السلطات للإشارة إلى الجماعات الانفصالية المسلحة، مع اتهامات بوجود دعم خارجي. كما تعهد رئيس الوزراء شهباز شريف برد حازم، مؤكدًا أن الحكومة لن تسمح بتهديد الأمن القومي. في المقابل، ترفض الهند بشكل متكرر اتهامات إسلام آباد بدعم المسلحين في بلوشستان.
شهادات ميدانية وتحركات عسكرية موسعة
نقل صحفيون محليون في كويتا مشاهد اشتباكات عنيفة داخل المنطقة الحمراء، وهي منطقة شديدة التحصين تضم مقار حكومية، حيث تمكن مسلحون من التسلل لفترة قصيرة قبل طردهم. وأفاد شهود عيان بسماع إطلاق نار كثيف وانفجارات هزت أحياء سكنية، بينما استقبلت المستشفيات عشرات المصابين، بينهم نساء وأطفال. وأكد جناح العلاقات العامة للجيش الباكستاني استخدام طائرات مسيّرة رباعية ومجموعات تدخل سريع لتعقب المسلحين.
تداعيات دولية ونقاشات حول مستقبل الإقليم
جذبت الهجمات اهتمامًا دوليًا واسعًا، حيث أعربت تركيا عن تضامنها مع باكستان، فيما سلطت وسائل إعلام دولية مثل هيئة الإذاعة البريطانية وصحيفة الغارديان الضوء على الهجمات باعتبارها مؤشرًا على هشاشة الوضع الأمني في جنوب آسيا. كما أثارت التطورات نقاشات حادة حول فعالية السياسة الأمنية في بلوشستان، خاصة بعد تعليقات أدلى بها المبعوث الأمريكي السابق زلماي خليل زاد، أشار فيها إلى أن نهج إسلام آباد في الإقليم يواجه أزمة متفاقمة.
فرضت السلطات حظر تجول في عدة مناطق من بلوشستان لإعادة الاستقرار، وبدأت تحقيقات موسعة لتتبع شبكات المسلحين وداعميهم. وفي الوقت الذي تشير فيه تقارير عسكرية إلى احتمال ارتفاع عدد قتلى المسلحين إلى 133 أو أكثر، يبقى الإقليم أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان هذا التصعيد سيقود إلى مراجعة شاملة للسياسات المتبعة أو إلى جولة جديدة من العنف المتبادل.




