بريطانيا تتراجع عن خطة استخدام المحتوى المحمي لتدريب الذكاء الاصطناعي
الحكومة البريطانية تعيد النظر في حقوق النشر بعد اعتراضات واسعة من قطاع الصناعات الإبداعية.
ملخص
أعلنت الحكومة البريطانية تراجعها عن المقترح الذي كان يسمح لشركات الذكاء الاصطناعي باستخدام المحتوى المحمي بحقوق النشر دون ترخيص، وذلك بعد اعتراضات واسعة من الصناعات الإبداعية وضغوط من البرلمان. وأكدت وزيرة الدولة للعلوم والابتكار والتكنولوجيا ليز كيندال أن الحكومة لم تعد تتبنى خيارًا مفضلًا، وستمنح نفسها وقتًا لإعادة تقييم الملف. وكانت الخطة جزءًا من مشاورات بدأت عام 2024 ضمن إطار تشريعي جديد، لكنها واجهت رفضًا واسعًا من فنانين ومؤسسات ثقافية، ما دفع الحكومة إلى إعادة النظر في التوازن بين حماية الإبداع وتشجيع الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي.

أعلنت الحكومة البريطانية، من خلال بيان رسمي صادر عن وزيرة الدولة للعلوم والابتكار والتكنولوجيا ليز كيندال في 18 مارس 2026، أنها لم تعد تتبنى الخيار الذي كانت تفضله سابقًا بشأن استخدام المحتوى المحمي بحقوق النشر في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. وأوضحت ليز كيندال أن الحكومة "استمعت" إلى الآراء المختلفة التي قُدمت خلال الفترة الماضية، مؤكدة أن الحكومة البريطانية ستأخذ الوقت الكافي لإعادة تقييم هذا الملف بما يحقق توازنًا دقيقًا يخدم الاقتصاد الوطني ككل.
حقوق النشر ومقترح الذكاء الاصطناعي المثير للجدل
تعود جذور القضية إلى نهاية عام 2024، عندما أطلقت الحكومة البريطانية استشارة عامة حول العلاقة بين حقوق النشر وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وذلك ضمن إطار قانون استخدام ووصول البيانات لعام 2025. وكان المقترح الرئيسي آنذاك يقوم على توسيع استثناء "التعدين النصي والبيانات" ليشمل الاستخدام التجاري، بما يسمح لشركات الذكاء الاصطناعي بالاستفادة من المحتوى المحمي دون الحصول على ترخيص مسبق، مع منح أصحاب الحقوق خيار الانسحاب فقط. ورأت الحكومة البريطانية في ذلك الوقت أن هذا النهج يمكن أن يحقق توازنًا بين دعم الابتكار في الذكاء الاصطناعي والحفاظ على حقوق النشر.
واجه هذا التوجه معارضة قوية من قطاع الصناعات الإبداعية، حيث اعتبره العديد من الفنانين والمبدعين تهديدًا مباشرًا لمصادر دخلهم وحقوقهم. وقاد هذا الرفض عدد من الأسماء البارزة، من بينهم سير إلتون جون، وديوا ليبا، وسير بول ماكارتني، وكيت بوش، ودامون ألبرن، وآني لينوكس، وتوم يورك. وقد وصف سير إلتون جون الخطط بأنها "خاسرة تماماً"، في تعبير واضح عن موقفه من المقترح.
الذكاء الاصطناعي واحتجاجات الموسيقيين في المملكة المتحدة
في فبراير 2025، أطلق أكثر من ألف موسيقي بريطاني، بقيادة الملحن إد نيوتن-ريكس، ألبومًا صامتًا بعنوان "هل هذا ما نريده؟". وتضمن الألبوم اثنتي عشرة مقطوعة خالية من أي محتوى موسيقي، في إشارة رمزية إلى ما قد تواجهه المهن الإبداعية من تراجع. وشكلت عناوين المقاطع مجتمعة رسالة احتجاجية تقول: "يجب على الحكومة البريطانية عدم تشريع سرقة الموسيقى لصالح شركات الذكاء الاصطناعي". كما دعم هذا التوجه المنتج جايلز مارتن، الذي شبّه المقترح بأنه "السماح للصوص بالدخول إلى المنازل إلا إذا طُلب منهم عدم ذلك".
النيابة البرلمانية والضغوط داخل المملكة المتحدة
ساهمت نتائج الاستشارة العامة، التي تلقت آلاف الردود، في تعزيز موقف الرفض داخل المملكة المتحدة، حيث أظهرت غالبية المشاركين معارضة واضحة للمقترح الحكومي. كما واجهت الخطة اعتراضات متكررة داخل البرلمان، خاصة من مجلس اللوردات الذي صوت أكثر من مرة ضد التعديلات المرتبطة بمشروع قانون البيانات، ما زاد من الضغوط على الحكومة البريطانية لإعادة النظر في موقفها.

الصناعات الإبداعية وترحيب حذر بالقرار الجديد
قوبل تراجع الحكومة البريطانية بترحيب حذر من ممثلي الصناعات الإبداعية. وقال توم كيهل، الرئيس التنفيذي لمنظمة يو كي ميوزيك، إن القرار يمثل "انتصاراً كبيراً" لقطاع يوفر نحو 220 ألف وظيفة ويساهم بمليارات الجنيهات في الاقتصاد. كما وصفت أكاديمية إيفورز الخطوة بأنها "خطوة أولى إيجابية"، مع الدعوة إلى تعزيز أنظمة الترخيص والشفافية. وامتد الترحيب إلى نقابة الممثلين "إكويتي" وجمعية المؤلفين، حيث اعتبرت هذه الجهات القرار حماية للمجال الإبداعي من التأثيرات غير المتوازنة.
الاقتصاد في المملكة المتحدة وتوازن الذكاء الاصطناعي
أبرز التقرير الحكومي أهمية الصناعات الإبداعية في المملكة المتحدة، حيث تسهم بنحو 146 مليار جنيه إسترليني سنويًا، وتنمو بمعدل يزيد بمقدار مرتين ونصف مقارنة ببقية الاقتصاد، كما توفر نحو 7% من الوظائف. وفي المقابل، يُعد قطاع الذكاء الاصطناعي من أسرع القطاعات نموًا، إذ يتوسع بوتيرة تفوق 23 مرة باقي القطاعات. وأكدت ليز كيندال أن الحكومة البريطانية تسعى لتحقيق توازن بين دعم الذكاء الاصطناعي وحماية حقوق النشر، مع ضمان عائد عادل للمبدعين.
تشمل الخطوات المقبلة إطلاق استشارة خلال الصيف بشأن تقنيات "الديبفيك" أو النسخ الرقمية، بهدف التعامل مع الاستخدام غير المصرح به لصورة وصوت الفنانين. كما ستعمل الحكومة البريطانية على تشكيل فرق عمل لتطوير معايير توضيح المحتوى المنتج باستخدام الذكاء الاصطناعي، ومراجعة آليات الشفافية المتاحة للمبدعين، إضافة إلى دعم المؤسسات الإبداعية الصغيرة في عمليات الترخيص. وأكدت الحكومة أيضًا نيتها إنشاء سوق لتبادل المحتوى الإبداعي كمنصة موثوقة للأصول الرقمية.
المملكة المتحدة ومستقبل النقاش بين الإبداع والتكنولوجيا
يُنظر إلى هذا التراجع على أنه إعادة ترتيب لمسار النقاش داخل المملكة المتحدة، في ظل تحديات مشابهة تواجهها دول أخرى. ورغم أن بعض الأصوات، مثل إد نيوتن-ريكس، ترى أن بعض الخيارات لا تزال قائمة، فإن القرار يفتح المجال لمزيد من الحوار بين قطاعي الذكاء الاصطناعي والصناعات الإبداعية، بهدف الوصول إلى حلول تحقق التوازن بين الابتكار وحماية حقوق النشر، مع استمرار الحكومة البريطانية في العمل مع البرلمان والأطراف المعنية.




