استقالة اللورد بيتر ماندلسون تشعل جدلًا سياسيًا واسعًا في بريطانيا بعد كشف علاقاته بإبستين
وثائق أمريكية جديدة حول جيفري إبستين تدفع سياسيًا بارزًا لمغادرة حزب العمال.
ملخص
أعلن اللورد بيتر ماندلسون استقالته من حزب العمال البريطاني بعد نشر وثائق أمريكية جديدة تتعلق بعلاقاته السابقة مع جيفري إبستين. الخطوة جاءت في سياق سياسي حساس، خاصة بعد إقالته قبل أشهر من منصبه كسفير لبريطانيا لدى الولايات المتحدة. الوثائق تضمنت مراسلات وتحويلات مالية تعود إلى أوائل الألفية، وأعادت فتح ملف قديم حول طبيعة العلاقة بين الطرفين. وأكد ماندلسون في بيان رسمي أنه لم يكن على علم بجرائم إبستين، معربًا عن أسفه للضحايا، بينما تواصل الجهات الأمريكية التحقيق، وتتفاعل الساحة السياسية البريطانية مع تداعيات القضية.

خلفية الاستقالة وتوقيت الإعلان
جاء إعلان استقالة اللورد بيتر ماندلسون من عضوية حزب العمال مساء الأحد، في خطوة أنهت مسيرة حزبية طويلة ارتبطت بقيادة الحزب خلال مرحلة توني بلير. ماندلسون أوضح في رسالة رسمية موجهة إلى الأمين العام للحزب أن قراره يهدف إلى تجنب إلحاق مزيد من الضرر بسمعة الحزب، على خلفية ما كُشف عنه مؤخرًا من معلومات تتعلق بعلاقاته السابقة مع الملياردير الأمريكي الراحل جيفري إبستين، الذي أُدين بجرائم جنسية قبل انتحاره عام 2019. وأكد في الرسالة شعوره بالأسف العميق تجاه ضحايا تلك الجرائم.
إقالة سابقة وسياق سياسي متوتر
سبقت الاستقالة أشهر من الجدل، بعدما أُقيل ماندلسون في سبتمبر 2025 من منصبه كسفير لبريطانيا لدى الولايات المتحدة. قرار الإقالة اتخذه رئيس الوزراء كير ستارمر، وجاء بعد الكشف عن رسائل إلكترونية تعود إلى عام 2008 أظهرت دعم ماندلسون لإبستين خلال فترة سجنه الأولى. ووفقًا لما نشرته صحيفة التلغراف، تضمنت تلك الرسائل عبارات ودية، من بينها وصف إبستين بـ"الصديق الأفضل"، إلى جانب تشجيعه على الطعن في الحكم الصادر بحقه آنذاك بتهمة الدعارة مع قاصرين. ماندلسون نفى لاحقًا علمه بطبيعة جرائم إبستين، واعتبر صداقته معه خطأ في التقدير.
وثائق وزارة العدل الأمريكية والتحويلات المالية
تصاعد الجدل مجددًا بعد إفراج وزارة العدل الأمريكية، يوم الجمعة الماضي، عن دفعة جديدة من الوثائق المرتبطة بقضية إبستين. وبحسب ما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية، أظهرت البيانات البنكية تحويلات مالية بلغت 75 ألف دولار أمريكي، أي ما يقارب 55 ألف جنيه إسترليني، من حسابات إبستين لدى بنك جي بي مورغان إلى حسابات مرتبطة بماندلسون خلال عامي 2003 و2004. وجرى تنفيذ هذه التحويلات عبر ثلاث دفعات متساوية، قيمة كل منها 25 ألف دولار، في فترة كان يشغل فيها ماندلسون منصب وزير للأعمال وعضوية البرلمان عن حزب العمال. وأفاد ماندلسون بأنه لا يتذكر هذه الدفعات، مشيرًا إلى عدم امتلاكه سجلات أو معلومات تؤكد تفاصيلها، كما شكك في بعض الادعاءات الواردة في الوثائق.

علاقة قديمة وسجل مثير للجدل
تعود معرفة ماندلسون بإبستين إلى أوائل الألفية الجديدة، حيث التقيا في مناسبات اجتماعية وأنشطة مرتبطة بالأعمال. وكان إبستين معروفًا بعلاقاته الواسعة مع شخصيات سياسية واقتصادية بارزة، قبل أن تكشف التحقيقات لاحقًا عن تورطه في شبكة للاتجار الجنسي بالقاصرين. تلك الفضائح أدت إلى سقوط عدد من الشخصيات المرتبطة به، من بينهم الأمير أندرو، الذي واجه اتهامات مماثلة ونفاها. أما ماندلسون، فقد سبق أن واجه أزمات سياسية أخرى، إذ استقال مرتين خلال حكومة توني بلير، الأولى عام 1998 على خلفية قضية قروض سرية، والثانية عام 2001 بسبب قضية تأشيرات، قبل أن يعود لاحقًا إلى مواقع مؤثرة داخل الحزب والحكومة، ثم إلى العمل الاستشاري، بما في ذلك ارتباطات أثارت انتقادات إضافية.
ردود الفعل داخل حزب العمال والبرلمان
أثارت استقالة ماندلسون ردود فعل متباينة داخل حزب العمال وخارجه. بعض قيادات الحزب اعتبرت القرار ضروريًا للحفاظ على صورته العامة في ظل قيادة كير ستارمر. وفي تصريح لصحيفة الإيريش تايمز، قال وزير الإسكان ستيف ريد إن ماندلسون يتحمل التزامًا أخلاقيًا للإدلاء بشهادته أمام الكونغرس الأمريكي دعمًا لضحايا إبستين. في المقابل، نقلت صحيفة الغارديان دعوات من نواب وبرلمانيين تطالب بسحب لقب النبالة من ماندلسون وإلغاء عضويته في مجلس اللوردات، معتبرين أن طبيعة العلاقات مع إبستين تتجاوز مجرد صداقة شخصية.
في بيانه الأخير، شدد ماندلسون على ندمه على أي علاقة ربطته بإبستين، مؤكدًا مرة أخرى أنه لم يكن على علم بجرائمه في حينها. كما عبّر عن تعاطفه مع الضحايا، مشيرًا إلى أسفه لأي أذى ناتج عن تلك الروابط. وفي الوقت الذي تتواصل فيه التحقيقات الأمريكية، يظل مستقبل ماندلسون السياسي غامضًا، وسط تقديرات بأن التداعيات السياسية لهذه القضية قد أنهت عمليًا دوره في الحياة العامة البريطانية.



