إبراهيم تراوري: الديمقراطية لا تناسب بوركينا فاسو في المرحلة الانتقالية
رئيس بوركينا فاسو الانتقالي يربط موقفه بالأزمة الأمنية وتمديد الحكم العسكري حتى 2029.
ملخص
كشف الكابتن إبراهيم تراوري، رئيس بوركينا فاسو الانتقالي، عن موقف أكثر صراحة من الديمقراطية، حين قال في مقابلة تلفزيونية بثها الإعلام الرسمي إن البلاد يجب أن "تنسى" هذا الخيار، معتبرًا أنه لا يناسب الواقع البوركينابي. وجاءت تصريحاته بينما يواصل الحكم العسكري إحكام قبضته على السلطة بعد حل الأحزاب السياسية ومصادرة أصولها، وتمديد المرحلة الانتقالية حتى 2029. وربط تراوري هذا التوجه بتدهور الوضع الأمني منذ 2015، في وقت تتحدث فيه منظمات حقوقية دولية عن آلاف القتلى وموجات نزوح واسعة، إلى جانب اتهامات متصاعدة للسلطات بقمع المعارضين والإعلام.

موقف معلن من الديمقراطية
اختار الكابتن إبراهيم تراوري، رئيس بوركينا فاسو الانتقالي، أن يعلن موقفه بصورة مباشرة خلال مقابلة تلفزيونية بثتها محطة الإذاعة والتلفزيون الحكومية مساء الخميس الماضي. وخلال الجلسة الحوارية مع صحفيين محليين ودوليين، قال إن البوركينابيين يحتاجون إلى "نسيان قضية الديمقراطية"، وأضاف: "يجب أن نقول الحقيقة: الديمقراطية ليست لنا".
وفي المقابلة نفسها، مضى تراوري أبعد من ذلك عندما قال إن "الديمقراطية تقتل"، مستشهدًا بليبيا بوصفها مثالًا قريبًا لما اعتبره نتيجة كارثية لفرض نماذج ديمقراطية من الخارج. ووفق ما قاله، فإن هذا المسار أدى هناك إلى "الدماء والعبودية"، في تعبير يعكس بوضوح رفضه للنموذج الذي يصفه بالمستورَد.
ترسيخ السلطة بعد الانقلابين
تأتي هذه التصريحات بينما يواصل النظام العسكري الذي يقوده تراوري تعزيز سيطرته على مؤسسات الدولة. ففي يناير الماضي، أعلنت السلطات حل جميع الأحزاب السياسية في البلاد، وعددها يتجاوز المائة، مع مصادرة أصولها، وقدمت ذلك في إطار ما سمته "إعادة بناء الدولة".
ويعود صعود تراوري إلى السلطة إلى الانقلاب العسكري الثاني الذي شهدته البلاد في 30 سبتمبر 2022، حين أطاح باللجنة العسكرية التي كانت تتولى الحكم بقيادة الرائد بول هنري سانداوغو داميبا. وكان داميبا نفسه قد وصل إلى السلطة بعد الإطاحة بالرئيس المنتخب روش مارك كريستيان كابوري في يناير 2022، ما وضع البلاد في سلسلة متلاحقة من التحولات القسرية في رأس الحكم.
وعود مؤجلة ومسار انتخابي معلق
في بدايات حكمه، تعهد تراوري بإجراء انتخابات بحلول يوليو 2024، في إشارة إلى عودة قريبة للحكم المدني. لكن هذا التعهد لم يتحول إلى مسار قائم، إذ أعلن النظام لاحقًا تمديد المرحلة الانتقالية خمس سنوات إضافية حتى عام 2029، مستندًا إلى حوار وطني قاطعته معظم الأحزاب السياسية.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد. ففي يوليو 2025 ألغت السلطات المفوضية المستقلة للانتخابات، وقالت إنها مكلفة وغير ضرورية. وبهذا القرار، أصبح الإشراف على أي اقتراع مقبل، إذا جرى أصلًا، من اختصاص وزارة الداخلية، وهو ما يعكس انتقالًا إضافيًا للسلطة الانتخابية إلى يد الدولة التنفيذية.
الأمن بوصفه مبررًا للخيارات السياسية
يربط تراوري رفضه للديمقراطية الغربية بالوضع الأمني الذي تعيشه بوركينا فاسو منذ عام 2015. فالبلاد تواجه تمردًا تقوده جماعات إسلامية مرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش، وقد بسطت هذه الجماعات سيطرتها على أجزاء واسعة من الأراضي، ما جعل المسألة الأمنية في صدارة خطاب السلطة.
وبحسب تقارير منظمات حقوقية دولية، أسفرت هذه التمردات عن مقتل آلاف المدنيين ونزوح أكثر من مليوني شخص. وفي هذا السياق، يقدم تراوري نفسه على أنه قائد ثوري يدافع عن السيادة الوطنية في مواجهة ما يسميه "الإمبريالية الغربية"، ويرى أن الأولوية ليست لبناء نظام سياسي على النمط الغربي، بل لتثبيت الدولة واستعادة السيطرة على الأرض.

تحالفات جديدة وخطاب ثوري
ضمن هذا التوجه، اتخذت السلطة سياسات ربطها تراوري بفكرة الاستقلال الوطني والسيادة. وشملت هذه السياسات طرد القوات الفرنسية من البلاد، وتعزيز التعاون العسكري مع روسيا، إلى جانب التركيز على ما يسميه "الثورة الشعبية التقدمية".
ويطرح هذا التصور بديلًا يستند، بحسب خطابه، إلى التعبئة الشعبية والقيادات التقليدية والمجتمعات المحلية، بدلًا من النظم السياسية التقليدية التي يعتبرها غير مناسبة للواقع البوركينابي. ومع ذلك، لم يقدم تراوري تفاصيل واضحة عن الشكل المؤسسي الكامل لهذا البديل، واكتفى بالحديث عن نظام يقوم على السيادة والوطنية والتعبئة الثورية، مع دور أكبر للمبادرات الشعبية والقيادات التقليدية.
شعبية داخلية وانتقادات حقوقية متصاعدة
رغم حدة تصريحاته، يحظى تراوري بشعبية ملحوظة داخل بوركينا فاسو وفي قطاعات واسعة من الرأي العام الأفريقي، ويرتبط ذلك بخطابه المناهض للنفوذ الغربي ودعوته إلى الاستقلال الاقتصادي والعسكري. هذا الخطاب منحه حضورًا لافتًا خارج حدود بلاده أيضًا، خصوصًا في بيئة إقليمية تشهد صعودًا لخطابات مشابهة.
في المقابل، واجه حكمه اتهامات متكررة بقمع المعارضة ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني. ومن بين الاتهامات التي تكررت في التقارير الحقوقية، إرسال منتقدين إلى الجبهات الأمامية في الحرب ضد المتطرفين. وفي تقرير نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش يوم الخميس نفسه الذي صدرت فيه تصريحات تراوري، قالت المنظمة إن أكثر من 1800 مدني قُتلوا منذ استيلائه على السلطة، وإن معظم تلك الانتهاكات نُسبت إلى القوات الحكومية والميليشيات المتحالفة معها.
سياق إقليمي أوسع في دول الساحل
لا تنفصل التطورات في بوركينا فاسو عن المشهد الإقليمي في الساحل الغرب أفريقي، حيث شهدت دول مثل مالي والنيجر انقلابات عسكرية أعقبها تأجيل للانتخابات وتعزيز لقبضة السلطة التنفيذية. هذا السياق يمنح تصريحات تراوري بعدًا يتجاوز الداخل البوركينابي، لأنها تأتي ضمن موجة أوسع من إعادة تعريف العلاقة بين الجيش والسياسة في المنطقة.
ومع ذلك، يحرص تراوري على تقديم بلاده باعتبارها حالة خاصة تسلك طريقًا مختلفًا. فهو يؤكد أن بوركينا فاسو لا تستنسخ نموذجًا جاهزًا، بل تتحرك وفق "روح ثورية" وعمل شاق لتحقيق الاكتفاء الذاتي، بعيدًا عن النماذج المستوردة التي يرى أنها لا تلائم واقع بلاده. وبين هذا الخطاب واستمرار التدهور الأمني، يبقى تأجيل الانتقال السياسي هو المبرر الأساسي الذي تعود إليه السلطة في كل مرة يتجدد فيها السؤال حول مستقبل الحكم.




