زيادة الوزن في العشرينات قد ترفع خطر الوفاة المبكرة لاحقًا
هل يمكن أن يكون توقيت زيادة الوزن في مرحلة الشباب عاملًا حاسمًا في تحديد مخاطر السمنة والوفاة المبكرة على المدى الطويل؟
ملخص
في دراسة حديثة نُشرت في مجلة eClinicalMedicine بواسطة باحثين من جامعة لوند، تم تحليل بيانات أكثر من 600 ألف شخص لفهم تأثير توقيت زيادة الوزن عبر مرحلة البلوغ. أظهرت النتائج أن زيادة الوزن المبكرة، خصوصًا في العشرينات، ترتبط بارتفاع ملحوظ في خطر الوفاة المبكرة مقارنة بزيادة الوزن في مراحل عمرية لاحقة. كما بينت الدراسة أن السمنة المبكرة تعني تعرضًا أطول لتأثيراتها البيولوجية، مما يعزز مخاطر السمنة على المدى الطويل ويجعل توقيت زيادة الوزن عاملًا حاسمًا في الصحة المستقبلية.

زيادة الوزن لا تحمل الأثر نفسه دائمًا، فليس المهم فقط عدد الكيلوجرامات التي يكتسبها الإنسان، بل أيضًا توقيت زيادة الوزن نفسه. فقد تبدأ الزيادة في سن مبكرة، ثم تمتد آثارها الصحية بهدوء عبر سنوات طويلة قبل أن تظهر في صورة أمراض أو ارتفاع في خطر الوفاة المبكرة. ولهذا لم يعد السؤال الطبي مقتصرًا على من يعاني السمنة، بل متى بدأت زيادة الوزن، وكم طالت فترة التعرض لها.
لفهم هذه العلاقة بشكل أوضح، حلل باحثون من جامعة لوند (Lund University) في السويد بيانات أكثر من 600,000 شخص، لرصد كيف ترتبط تغيرات الوزن بين سن 17 و60 بخطر الوفاة من أسباب مختلفة. الدراسة، التي نُشرت في eClinicalMedicine، أظهرت أن زيادة الوزن المبكرة خلال مرحلة البلوغ، وخصوصًا عندما تتطور إلى سمنة مبكرة، ترتبط بأثر أقوى على الصحة لاحقًا وبخطر أعلى للوفاة المبكرة مقارنة بزيادة الوزن التي تحدث في أعمار أكبر.
توقيت زيادة الوزن أهم من قياس السمنة في لحظة واحدة
السمنة معروفة منذ سنوات طويلة بوصفها عامل خطر لعدد كبير من الأمراض، لكن هذه الدراسة حاولت النظر إلى ما هو أبعد من لقطة ثابتة للوزن في وقت واحد. فبدلًا من سؤال تقليدي مثل ما إذا كان الشخص مصابًا بالسمنة الآن أم لا، ركز الباحثون على مسار الوزن عبر مرحلة البلوغ، وعلى سرعة الزيادة، والعمر الذي بدأت فيه السمنة إذا ظهرت.
وتقول تانيا ستوكس (Tanja Stocks)، الأستاذة المشاركة في علم الأوبئة بجامعة لوند وأحد الباحثين في الدراسة، إن النتيجة الأكثر ثباتًا كانت أن من يكتسبون الوزن في عمر أصغر يواجهون خطرًا أعلى للوفاة المبكرة لاحقًا في الحياة، مقارنة بمن يكتسبون وزنًا أقل أو في عمر متأخر. وهذا ما يجعل توقيت زيادة الوزن عاملًا أساسيًا عند الحديث عن مخاطر السمنة على المدى الطويل، لا مجرد تفصيل ثانوي في القصة.
أكثر من 600 ألف شخص وقياسات وزن متكررة عبر عقود
اعتمدت الدراسة على بيانات أكثر من 600,000 شخص، ولم يُضم أي مشارك إليها إلا إذا كان وزنه قد قيس ثلاث مرات على الأقل خلال حياته. وشملت هذه القياسات محطات مختلفة، مثل الحمل المبكر، أو التجنيد العسكري، أو المشاركة في دراسات بحثية. هذه النقطة مهمة لأن الدراسة لم تعتمد أساسًا على تذكر المشاركين لأوزانهم السابقة، وهو ما قد يعرّض النتائج لقدر أكبر من الخطأ، بل استندت في معظم الحالات إلى قياسات موضوعية أجراها مختصون في الرعاية الصحية أو في سياقات رسمية مشابهة.
وخلال فترة المتابعة، توفي 86,673 رجلًا و29,076 امرأة. هذا الحجم الكبير من البيانات، إلى جانب تكرار قياسات الوزن، منح الباحثين فرصة أقوى لقراءة العلاقة بين مسار الوزن عبر العمر وخطر الموت المبكر أو الوفاة المبكرة من أمراض مختلفة.

السمنة المبكرة وارتفاع خطر الوفاة المبكرة
تتبّع الباحثون تغير الوزن بين سن 17 و60، ثم قارنوا هذه المسارات بخطر الوفاة من جميع الأسباب، وكذلك بخطر الوفاة من الأمراض المرتبطة بالسمنة. وفي المتوسط، اكتسب كل من الرجال والنساء نحو 0.4 كيلوجرام سنويًا.
لكن الصورة لم تكن متشابهة بين الجميع. فقد أظهر التحليل أن الأشخاص الذين اكتسبوا الوزن بسرعة أكبر خلال سنوات البلوغ كانوا أكثر عرضة للوفاة من الحالات المرتبطة بالسمنة. والأكثر لفتًا أن الذين ظهرت لديهم السمنة بين سن 17 و29، أي في مرحلة الشباب المبكر أو العشرينات تقريبًا، واجهوا خطرًا أعلى بنحو 70 بالمئة للوفاة المبكرة مقارنة بالأشخاص الذين لم يصابوا بالسمنة قبل سن 60.
وفي هذه الدراسة، عرّف الباحثون بداية السمنة بأنها أول مرة يصل فيها مؤشر كتلة الجسم (Body Mass Indexأو BMI) إلى 30 أو أكثر. وهذا المؤشر، القائم على الوزن والطول، يُستخدم على نطاق واسع لتصنيف الوزن الصحي وزيادة الوزن والسمنة. وتوضح هيون لي (Huyen Le)، طالبة الدكتوراه في جامعة لوند والباحثة الأولى في الدراسة، أن أحد التفسيرات المحتملة لهذه النتيجة هو أن من تبدأ لديهم السمنة المبكرة يظلون فترة أطول تحت تأثيراتها البيولوجية، وهو ما قد يفسر جزءًا مهمًا من مخاطر السمنة على المدى الطويل.
لماذا اختلف خطر السرطان لدى النساء؟
رغم وضوح الاتجاه العام في الدراسة، ظهرت ملاحظة مختلفة عند النظر إلى السرطان لدى النساء. ففي هذه الحالة، لم يبدُ أن توقيت زيادة الوزن يغيّر مستوى الخطر بشكل واضح، إذ كان الخطر متقاربًا تقريبًا سواء حدثت زيادة الوزن في وقت أبكر أو لاحق.
وتقول هيون لي إن هذه النتيجة لافتة، لأن الفرضية المباشرة كانت تشير إلى أن زيادة الوزن المبكرة، إذا كانت تعني تعرضًا أطول للسمنة، يفترض أن تقترن بخطر أعلى. لكن بما أن هذا لم يظهر في السرطان لدى النساء، فهذا يوحي بأن آليات بيولوجية أخرى قد تكون مشاركة أيضًا في خطر السرطان وفرص النجاة منه.
وتطرح الدراسة احتمالًا بأن تكون التغيرات الهرمونية المرتبطة بسن انقطاع الطمث جزءًا من التفسير. فقد يكون الوزن هنا انعكاسًا لتغيرات أوسع تحدث داخل الجسم، لا العامل الوحيد الذي يحدد الخطر. ولهذا بدت العلاقة بين توقيت زيادة الوزن وخطر السرطان لدى النساء أكثر تعقيدًا من بقية النتائج.
قوة الدراسة جاءت من قياسات الوزن لا من الذاكرة
من أبرز نقاط قوة الدراسة أنها اعتمدت على قياسات وزن متكررة امتدت عبر سنوات طويلة، لا على أرقام يتذكرها المشاركون بعد زمن. وكما توضح تانيا ستوكس، فإن أغلب قياسات الوزن في هذه الدراسة أُخذت مباشرة بواسطة العاملين في الرعاية الصحية أو في سياقات رسمية مماثلة، وهو ما جعل النتائج أكثر موثوقية وصلابة.
وهذا مهم لأن الدراسات التي تعتمد على قياسات وزن فعلية عبر الزمن تكون عادة أكثر قوة من الدراسات التي تطلب من الناس استرجاع أوزانهم القديمة من الذاكرة. ومن هنا، لا تقدم الدراسة مجرد انطباع عام عن السمنة، بل صورة أوضح عن توقيت زيادة الوزن، وعن العلاقة بين السمنة المبكرة والوفاة المبكرة، وعن مخاطر السمنة على المدى الطويل استنادًا إلى بيانات أكثر دقة.
ماذا يعني ارتفاع الخطر بنسبة 70 بالمئة؟
زيادات الخطر على مستوى السكان قد تبدو مجردة أحيانًا، لذلك حاول الباحثون تبسيط الصورة بمثال مباشر. فإذا كان 10 أشخاص من كل 1,000 في مجموعة معينة يموتون خلال فترة محددة، فإن ارتفاع الخطر بنسبة 70 بالمئة يعني أن العدد قد يصبح نحو 17 من كل 1,000 في المجموعة التي ظهرت لديها السمنة المبكرة.
ومع ذلك، تشدد تانيا ستوكس على أن المهم ليس التعلق بالرقم وحده، بل فهم النمط العام. فالأرقام الدقيقة تتأثر دائمًا بعوامل متعددة داخل أي دراسة، لكن الرسالة الأساسية هنا واضحة، وهي أن توقيت زيادة الوزن ليس تفصيلًا هامشيًا، بل عامل قد يغير خطر الموت المبكر لاحقًا، ويجب أن يصل هذا المعنى إلى صناع القرار والسياسيين عند وضع سياسات الوقاية من السمنة.
مجتمع مولد للسمنة يزيد صعوبة الوقاية المبكرة
يشير كثير من الخبراء إلى أننا نعيش في بيئة تدفع إلى السمنة، أو ما يسمى أحيانًا المجتمع المولد للسمنة (obesogenic society)، حيث تصبح العادات الصحية أصعب، بينما تصبح زيادة الوزن أسهل من السابق. في مثل هذا السياق، لا تبدو السمنة نتيجة قرارات فردية فقط، بل انعكاسًا لظروف يومية تشجع على نمط حياة أقل صحة.
وتضيف هذه الدراسة دليلًا جديدًا على أن الوقاية من السمنة في سن مبكرة ليست مجرد مسألة شكل أو مظهر، بل مسألة صحة تمتد آثارها لعقود. فعندما تُظهر البيانات أن زيادة الوزن المبكرة والسمنة المبكرة ترتبطان بأعلى خطر للوفاة المبكرة لاحقًا، فإن منع زيادة الوزن في الأعمار الأصغر يصبح استثمارًا مباشرًا في الصحة المستقبلية. وهذا هو المعنى الأوسع الذي تقترحه دراسة جامعة لوند، إذ يبدو أن الوقاية المبكرة قد تكون من أهم الخطوات لتقليل مخاطر السمنة على المدى الطويل.
أسئلة شائعة (FAQ):
##هل توقيت زيادة الوزن يؤثر على الصحة أكثر من الوزن نفسه؟
نعم، تشير الدراسات إلى أن توقيت زيادة الوزن يلعب دورًا مهمًا، حيث ترتبط الزيادة المبكرة بمخاطر صحية أكبر مقارنة بزيادة الوزن في مراحل عمرية متأخرة.
## لماذا تعتبر السمنة المبكرة أكثر خطورة؟
لأن الجسم يتعرض لفترة أطول لتأثيرات السمنة البيولوجية، مما يزيد من احتمالية الإصابة بأمراض مزمنة وارتفاع خطر الوفاة المبكرة.
## هل زيادة الوزن في العشرينات تزيد خطر الوفاة؟
تشير الأدلة إلى أن زيادة الوزن في هذه المرحلة قد ترتبط بارتفاع ملحوظ في خطر الوفاة المبكرة مقارنة بمن يكتسبون الوزن لاحقًا.
## ما أفضل طريقة لتقليل مخاطر السمنة على المدى الطويل؟
الوقاية المبكرة من زيادة الوزن، والحفاظ على نمط حياة صحي يشمل التغذية المتوازنة والنشاط البدني المنتظم، تعد من أهم العوامل لتقليل المخاطر المستقبلية.




