روسيا توسع التمويل الإسلامي لدمج المسلمين وجذب استثمارات الخليج رغم العقوبات
موسكو تراهن على السوق الحلال لربط 25 مليون مسلم محلي بجاذبية استثمارات الخليج وآسيا، وسط تحديات تنظيمية وضريبية حاسمة.
ملخص
تشهد الساحة المادية والتشريعية في روسيا تحولاً استراتيجياً متسارعاً نحو تبني آليات "التمويل الشريك" (الصيرفة الإسلامية) كأداة مالية موازية للنظام المصرفي التقليدي. وتأتي هذه الخطوة مدفوعة برغبة موسكو في دمج الكتلة السكانية المسلمة الضخمة التي تُقدر بنحو 20 إلى 25 مليون نسمة (حوالي 15% من إجمالي السكان) في النظام المالي الرسمي، إلى جانب فتح قنوات استثمارية جديدة عابرة للحدود مع دول الخليج العربي وجنوب شرق آسيا لتجاوز وطأة العقوبات الغربية. ورغم البدايات الحذرة والتحديات اللوجستية التي واجهت هذه المنظومة، فإن التعديلات التشريعية الأخيرة في عام 2026 تعكس إصرار صُنّاع القرار في روسيا على تحويل هذا القطاع الناشئ إلى سوق تريليوني مستدام.

الإطار القانوني وتمديد التجربة حتى 2028
بدأت روسيا خطوتها العملية الأولى في هذا المجال بإطلاق تجربة رسمية بموجب القانون الاتحادي رقم 417-FZ في الأول من سبتمبر 2023، ولمدة عامين، شملت أربع جمهوريات ذات أغلبية مسلمة وهي: تتارستان، باشكورتوستان، داغستان، وتشيشنيا. وقد أقرت السلطات الروسية تمديد هذه التجربة رسمياً لثلاث سنوات إضافية في يوليو 2025، لتستمر حتى 1 سبتمبر 2028، مع فتح الباب لمناقشة توسيع نطاقها الجغرافي ليشمل مناطق إدارية أخرى في الاتحاد الروسي. ويهدف هذا التمديد إلى منح المؤسسات المالية فرصة كافية لتطوير بيئتها التشغيلية، واختبار المنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية (مثل المرابحة والإجارة والمضاربة)، وتحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في تعزيز الشمول المالي وجذب الرساميل الأجنبية غير الخاضعة للمنظومة المصرفية الغربية.
الأرقام الحالية ومبادرات المصارف الكبرى
تشير الإحصاءات الرسمية المجمعة حتى عام 2026 إلى أن السجل الحكومي للمنظومة يضم حالياً 32 منظمة معتمدة، تستأثر جمهورية تتارستان بنحو 14 منظمة منها، حيث تدير وحدها أكثر من نصف المعاملات المالية الحلال في البلاد وتقدم ما يزيد عن 35 منتجاً شرعياً. ورغم أن حجم الاستثمارات التي تم جذبها خلال العامين الأولين بلغت نحو 4 مليارات روبل، وهو رقم يراه الخبراء متواضعاً، إلا أن الإمكانات الكامنة للسوق تُقدر بنحو 1 تريليون روبل. وفي هذا السياق، يقود مصرف "سبيربرنك" (Sber)، الأكبر في روسيا، القاطرة المصرفية للقطاع من خلال إطلاق حسابات وبطاقات وودائع متوافقة مع الشريعة، فضلاً عن إصدار صكوك رقمية عبر المنصات التقنية الحديثة لتلبية الطلب المتزايد على الخدمات المالية اليومية.
عقبات الهيكلة وتحديات النمو البطيء
على الرغم من المؤشرات الإيجابية، نشرت منصة "Realnoe Vremya" تحليلاً يوضح الأسباب الكامنة وراء النمو البطيء لهذا السوق في روسيا؛ حيث يرى الخبراء أن فترة السنتين الماضيتين لم تكن كافية لتقييم تجربة استغرقت عقداً كاملاً من الإقناع التنظيمي. ويبرز غياب المعايير الموحدة كأحد أكبر العوائق، على الرغم من الجهود الحالية لاعتماد أول معيار وطني روسي مستند إلى معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI) ومقرها البحرين. علاوة على ذلك، تلعب المخاوف من العقوبات الثانوية دوراً مثبطاً للشراكات الخارجية، يضاف إليها العبء الضريبي المتزايد الذي فرضه النظام المالي الروسي منذ عام 2025، مما رفع تكلفة المنتجات الإسلامية مقارنة بالتقليدية، فضلاً عن نقص الكوادر البشرية المدربة وغياب التأمين الإسلامي (التكافل).

الخطوات المستقبلية وصياغة المشهد في 2026-2028
تتطلع روسيا خلال فترة التمديد الحالية (التي تنتهي في 2028) إلى اتخاذ خطوات نوعية لترسيخ أقدام التمويل الإسلامي، حيث تشير التوقعات التشريعية لعام 2026 إلى إمكانية الإعلان عن تأسيس أول بنك إسلامي كامل الصلاحية وببنية تحتية مستقلة. وتشمل الخطط المستقبلية تعميق التعاون المالي مع مملكة البحرين ودول مجلس التعاون الخليجي، وتدشين أسواق رأس مال إسلامية تتيح إصدار الصكوك السيادية والشركات عبر منصات بورصات محلية مثل (CTS Exchange). ويرى نواب ومسؤولون من جمهورية تتارستان أن السنوات الثلاث القادمة ستكون حاسمة لإثبات جدوى النظام، شريطة أن تقدم الحكومة الاتحادية حوافز ضريبية ودعماً تشريعياً يضمن المساواة الكاملة بين القطاعين الشريك والتقليدي.
##ما هي جمهوريات روسيا الاتحادية التي تطبق تجربة "التمويل الشريك" حالياً؟
تطبق التجربة في أربع جمهوريات ذات كثافة سكانية إسلامية وهي: تتارستان، باشكورتوستان، داغستان، وتشيشنيا، مع مساعٍ جارية لتوسيع النطاق ليشمل مناطق روسية أخرى بعد تمديد القانون.
##لماذا تطلق روسيا على الصيرفة الإسلامية مصطلح "التمويل الشريك"؟
يُستخدم مصطلح "التمويل الشريك" (Partnership Financing) في البيئة التشريعية الروسية كصيغة قانونية واقتصادية تعبر عن جوهر المعاملات القائمة على تقاسم الأرباح والخسائر والتمويل المدعوم بأصول، وتجنب استخدام المسميات الدينية المباشرة في القوانين الاتحادية العامة.
##ما هي الهيئة الدولية التي تعتمد عليها روسيا لوضع معاييرها المالية الإسلامية؟
تعتمد المؤسسات الروسية بشكل أساسي على المعايير الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI) ومقرها البحرين، لتطوير أول دليل وطني للمعايير الموحدة للتمويل الشريك.




