دراسة جديدة: البلاستيك أخطر مما نتوقع - دعوة لإعادة صياغة سياسات التعامل مع البلاستيك على مستوى عالمي
دراسة تكشف الأثر المعقد للبلاستيك على البيئة وصحة الإنسان، وتطالب بإعادة تقييم دورة حياة البلاستيك ككل من أجل حلول أكثر شمولية.
كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة One Earth أن البلاستيك ليس مادة خاملة كما كان يُعتقد سابقاً، بل إنه يشكل تهديداً بيئياً وصحياً معقداً يتطلب نهجاً شاملاً لإدارته. بقيادة الباحثة باتريشيا فيلاروبيا جوميز من مركز استدامة ستوكهولم، استخدم الفريق البحثي “إطار الحدود الكوكبية” لتقييم التأثيرات البيئية للبلاستيك، ووجدوا أنه يؤثر على قضايا عالمية حاسمة، منها تغير المناخ وتدهور التنوع البيولوجي. تدعو الدراسة إلى اتباع استراتيجيات عالمية تعيد النظر في دورة حياة البلاستيك بأكملها، بدءاً من استخراج مواده الخام وصولاً إلى التخلص منه، مع التركيز على سياسات متكاملة وشاملة للحد من التلوث.

البلاستيك: مادة ذات تأثيرات عميقة على كوكبنا
كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة One Earth عن أن البلاستيك ليس مجرد مادة خاملة لا تؤثر سلباً على البيئة، بل إنه يشكل تهديداً بيئياً وصحياً معقداً يتطلب إعادة نظر جذرية في كيفية التعامل معه. بقيادة الباحثة باتريشيا فيلاروبيا جوميز من مركز استدامة ستوكهولم، اعتمدت الدراسة على “إطار الحدود الكوكبية” لدراسة التأثيرات الشاملة للبلاستيك على كوكب الأرض. وتؤكد نتائج الدراسة على ضرورة إعادة تقييم دورة حياة البلاستيك بشكل كامل، مما يُعد تحولاً جذرياً في النظر إلى البلاستيك كأحد أكبر التحديات البيئية والصحية.
إطار الحدود الكوكبية: منهج شامل لفهم تأثير البلاستيك
يستند فريق الباحثين إلى مفهوم “إطار الحدود الكوكبية”، وهو نظام يهدف إلى تحديد الحدود التي يجب ألا يتجاوزها النشاط البشري للحفاظ على استقرار الكوكب. بتطبيق هذا الإطار على البلاستيك، أوضح الفريق أن البلاستيك لا يُعَدّ مجرد نفايات، بل يمتد تأثيره إلى العديد من القضايا البيئية، مثل تغير المناخ وتدهور التنوع البيولوجي وتحمض المحيطات. وتؤكد باتريشيا فيلاروبيا جوميز، قائدة الدراسة، على أهمية فهم البلاستيك في كل مراحل حياته، بدءًا من استخراجه كمواد خام، مروراً بعملية التصنيع والاستخدام، وصولاً إلى التخلص النهائي منه.
دورة حياة البلاستيك وتأثيراتها المتشابكة
يُنتج العالم حوالي 500 مليون طن من البلاستيك سنوياً، ولكن لا يُعاد تدوير سوى 9% منها فقط، مما يعني أن البلاستيك يتراكم في البيئة بكميات هائلة ويصل حتى إلى أماكن بعيدة مثل قمة جبل إيفرست وخندق ماريانا. وتوضح جوميز أن البلاستيك ليس مجرد مادة خالية من التأثيرات، بل يحتوي على آلاف المواد الكيميائية، بعضها سام ويشكل خطراً على الصحة العامة والأنظمة البيئية. وتشير إلى أن البلاستيك يؤثر على جميع القضايا البيئية الكبرى، بما في ذلك تغير المناخ، ما يستدعي حلولاً متكاملة لعلاج هذا التحدي البيئي.
معضلة المواد الكيميائية في البلاستيك
أشار فريق البحث إلى أن البلاستيك يحتوي على مواد كيميائية متنوعة تؤدي إلى أضرار بيئية وصحية. تتضمن هذه المواد مركبات تُطلق عند تعرض البلاستيك للظروف البيئية، مثل الحرارة والأشعة فوق البنفسجية، مما يؤدي إلى تسرب مواد سامة إلى البيئة المحيطة، ومن ثم إلى الكائنات الحية، بما في ذلك البشر. وأكدت الأستاذة سارة كورنيل، المشاركة في الدراسة، أن تأثير البلاستيك ليس بسيطاً بل هو معقد ومتداخل، مما يفاقم الأضرار البيئية بسرعة متزايدة.
مؤشرات متعددة لتتبع تلوث البلاستيك
لمواجهة هذه التحديات، اقترح الباحثون مجموعة من “المتغيرات التحكمية” لتتبع تلوث البلاستيك عبر ثلاث مراحل رئيسية من دورة حياته: استخراج المواد الخام، إنتاج واستخدام البلاستيك، والإطلاق البيئي والتأثيرات النهائية. وتوضح جوميز أن الاعتماد على مجموعة من المؤشرات بدلاً من معيار واحد يمكن أن يساعد في تقديم فهم أعمق وأكثر شمولية للتلوث البلاستيكي، مما يسمح بتطوير استراتيجيات فعالة لإدارة هذه المشكلة على مستوى كوكبي.
صعوبة الحصول على بيانات دقيقة حول إنتاج البلاستيك
أحد التحديات الكبيرة التي واجهها فريق البحث كان نقص البيانات الدقيقة حول حجم الإنتاج والتراكم التاريخي للبلاستيك. حيث أشارت بيانات عام 2022 إلى إنتاج حوالي 506 مليون طن من البلاستيك، مما يرفع حجم البلاستيك المتراكم منذ عام 1950 إلى حوالي 11,090 مليون طن. ومع ذلك، فإن عدم توحيد البيانات وتفاوتها يجعل من الصعب تقدير التأثيرات الحقيقية للتراكم المتزايد للبلاستيك في البيئة، مما يستدعي جهوداً إضافية لتوحيد البيانات وتحسين دقتها.

دعوة لاستراتيجية شاملة للتعامل مع البلاستيك
تؤكد الدراسة على أهمية اتباع استراتيجية شاملة تعالج التلوث البلاستيكي من جذوره. تقول بيثاني كارني ألمروث، الباحثة المشاركة من جامعة غوتنبرغ، إن وجود البلاستيك في كل مكان، حتى في أجساد البشر، يتطلب حلاً شاملاً يشمل جميع مراحل دورة حياة البلاستيك. وأوضحت أن هذا الحل الشامل يجب أن يأخذ في الحسبان التعقيدات التي يفرزها البلاستيك عبر إطلاقه مواد كيميائية ضارة، وهو ما يتطلب استجابة عالمية تتخطى مجرد التفكير في البلاستيك كنفايات.
نحو سياسات دولية متكاملة لمعالجة أزمة البلاستيك
مع اقتراب موعد مفاوضات معاهدة دولية لمعالجة أزمة البلاستيك، تدعو الدراسة إلى إعادة النظر في السياسات الحالية المتعلقة بالبلاستيك. وتشير إلى أن الحل الأمثل يكمن في الابتعاد عن اعتبار البلاستيك مجرد نفايات، والتركيز بدلاً من ذلك على إدارة تدفق مواده بشكل مستدام، بداية من استخراج مواده الخام وصولاً إلى التخلص منه بشكل آمن. هذا النهج المتكامل من شأنه الكشف عن التأثيرات البيئية الحقيقية للبلاستيك وتمكين صناع القرار من اتخاذ إجراءات فعالة للحد من التلوث البلاستيكي.
التأثيرات العالمية والتحديات البيئية للبلاستيك
لا يقتصر تأثير البلاستيك على تلوث البحار والأنهار، بل يمتد إلى التربة والمياه الجوفية وحتى الهواء. فالتكسير الحراري للبلاستيك والتعرض للحرارة يؤدي إلى إطلاق جزيئات بلاستيكية دقيقة تنتقل عبر الهواء، مما يزيد من التلوث البيئي. وقد بينت الدراسة أن هذا التلوث لا يؤثر فقط على الكائنات البحرية التي تبتلع البلاستيك ظناً منها أنه غذاء، بل يؤثر أيضاً على السلسلة الغذائية، مما يجعل التأثير يصل إلى البشر في نهاية المطاف.
نحو حلول مبتكرة وتقنيات مستدامة
من أجل الحد من التلوث البلاستيكي، يقترح الباحثون تطوير تقنيات جديدة لتحسين إعادة تدوير البلاستيك وزيادة كفاءته. فمعالجة البلاستيك المعاد تدويره بطرق تضمن عدم إطلاق مواد كيميائية ضارة، يمكن أن تكون خطوة هامة نحو تقليل الاعتماد على البلاستيك الجديد. ويشدد الباحثون على ضرورة استثمار المزيد من الموارد في تطوير تكنولوجيا إعادة التدوير وتحفيز الشركات على استخدام مواد صديقة للبيئة كبدائل للبلاستيك.
الوعي المجتمعي ودور الأفراد في تقليل التلوث
إلى جانب الجهود الدولية والسياسات الحكومية، تلعب التوعية المجتمعية دوراً حاسماً في تقليل استخدام البلاستيك. يمكن للأفراد المشاركة في الحد من التلوث من خلال تقليل استهلاك المنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، والتوجه نحو الخيارات المستدامة. إن اتخاذ خطوات بسيطة مثل استخدام الحقائب القابلة لإعادة الاستخدام والزجاجات غير البلاستيكية يمكن أن يسهم بشكل فعّال في تقليل كمية البلاستيك المتراكمة.
التحول نحو إدارة مستدامة للبلاستيك
باختصار، أظهرت الدراسة أن التلوث البلاستيكي يمثل تهديداً شاملاً يتجاوز اعتباره مجرد نفايات، ليصبح تحدياً يتطلب حلولاً مبتكرة واستراتيجيات عالمية. ومن أجل بناء مستقبل مستدام، يجب أن نتبنى نهجاً شاملاً يدمج السياسات الدولية، التقنيات المتقدمة، ووعي المجتمع لتقليل التلوث البلاستيكي. ومن خلال تعزيز التعاون الدولي واعتماد حلول مبتكرة، يمكننا تحقيق تحول حقيقي نحو إدارة فعالة للبلاستيك على مستوى العالم.




