الانتخابات في هونغ كونغ تحت ظل حريق تاي بو المميت
المدينة تقترع لاختيار أعضاء المجلس التشريعي بينما تواصل حدادها على ضحايا وونغ فوك كورت وتطرح أسئلة قاسية عن سلامة المباني والحكومة
ملخص
يتوجه سكان هونغ كونغ إلى صناديق الاقتراع لاختيار 90 عضواً في المجلس التشريعي في انتخابات تُختبر خلالها درجة الثقة في النظام السياسي المعدّل، فيما لا تزال المدينة تعيش صدمة حريق وونغ فوك كورت في تاي بو الذي أودى بحياة 159 شخصاً حتى الآن. تشارك 161 شخصية، جميعها خضعت للتدقيق لضمان ولائها للصين، في السباق الانتخابي الثاني منذ تغييرات 2021 التي حصرت الترشح بـ"الوطنيين". الحكومة أطلقت حملة واسعة لحث الناخبين على التصويت عبر حوافز وتخفيضات وأنشطة عامة، في وقت يتساءل فيه كثيرون عن أسباب الكارثة وظروف السلامة في المباني القديمة، وسط اعتقالات مرتبطة بالحريق واتهامات بقمع الأصوات المطالبة بتحقيق مستقل.

حزن تاي بو يطغى على أجواء التصويت في هونغ كونغ
تجري انتخابات المجلس التشريعي هذه المرة بينما لا تزال هونغ كونغ منشغلة بتداعيات حريق تاي بو في نهاية نوفمبر، الذي التهم أبراجاً سكنية مرتفعة في مجمع وونغ فوك كورت شمالي المدينة. السلطات تقول إن عدد القتلى بلغ 159 شخصاً، مع احتمال ارتفاع الحصيلة مع استمرار انتشال الجثث.
الحريق يوصف بأنه الأسوأ في هونغ كونغ منذ أكثر من سبعين عاماً، وقد أثار موجة حداد وقلق واسع، خصوصاً أن كثيراً من سكان المدينة يعيشون في مبانٍ قديمة مشابهة للمجمع الذي شهد الكارثة. في هذا السياق، يذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع فيما لا تزال الأسئلة معلّقة حول ما إذا كان بالإمكان تجنب ما حدث في تاي بو.
انتخابات المجلس التشريعي بعد تعديلات الصين الانتخابية
في هذه الدورة يتنافس 161 مرشحاً على 90 مقعداً في المجلس التشريعي، الذي يعمل بمثابة برلمان مصغر يملك صلاحية سن القوانين وتعديلها في هونغ كونغ. جميع المرشحين خضعوا لآلية تدقيق تهدف إلى ضمان ولائهم لبكين، في إطار التغييرات التي أدخلتها الصين على النظام الانتخابي في عام 2021.
هذه هي المرة الثانية التي تُجرى فيها انتخابات المجلس التشريعي وفق الترتيبات الجديدة التي جاءت بعد احتجاجات 2019، وتستند إلى مبدأ ألا يترشح سوى "الوطنيين". الحكومة المركزية في الصين تقول إن هذه التغييرات ضرورية لضمان الاستقرار في هونغ كونغ، بينما يرى منتقدون أنها أضعفت المساحة الديمقراطية وأقصت المعارضة المنظمة.
الاقتراع السابق الذي جرى بعد تلك التعديلات شهد أدنى نسبة مشاركة في تاريخ المجلس التشريعي، حيث لم تتجاوز نسبة المقترعين 30% وسط حالة واسعة من اللامبالاة والعمل السياسي المحدود.
حملة الحكومة لحشد الناخبين في هونغ كونغ
لمواجهة تراجع الإقبال في 2021، أطلقت حكومة هونغ كونغ حملة واسعة هذه المرة لحث السكان على التصويت للمجلس التشريعي. شوارع المدينة امتلأت بملصقات تدعو الناس للتوجه إلى صناديق الاقتراع، إلى جانب عروض تسوق وتخفيضات مرتبطة بيوم التصويت.
كل ناخب يحصل بعد الإدلاء بصوته على "بطاقة شكر" يمكن استبدالها بقسائم في متاجر ومطاعم محددة، أو في خدمات تجميل وفحوص طبية ومساهمات في أقساط بوالص التأمين. السلطات أعلنت أيضاً فتح أحواض السباحة والمتحفـات العامة مجاناً في يوم الاقتراع، وتنظيم كرنفالات في أحياء مختلفة، إضافة إلى برنامج منوعات وبث حي لفعالية فنية.
الحكومة خصصت كذلك شخصيات كرتونية وشعاراً موسيقياً للانتخابات، مأخوذاً من أغنية شهيرة صدرت عام 2001 للمغني الكانتوبيوب آرون كوك بعنوان "لنصوّت، معاً نصنع المستقبل"، جرى تعديل كلماتها لتناسب الرسائل الرسمية.
حريق وونغ فوك كورت وأسئلة عن السلامة في تاي بو
التركيز الرسمي على أجواء الانتخابات تزامن مع إدارة أزمة حريق وونغ فوك كورت في تاي بو. الكارثة أدت إلى احتراق أبراج سكنية عالية في المنطقة الشمالية من هونغ كونغ، وأعادت فتح ملف سلامة المباني القديمة.
كثير من الأسر في المدينة تعيش في بنايات متهالكة أو خاضعة لأعمال ترميم مطولة، وهو ما جعل حريق تاي بو في وونغ فوك كورت سبباً لمخاوف مضاعفة. سكان هونغ كونغ يتساءلون اليوم عما إذا كانت المادة الشبكية المستخدمة في السقالات، والمواد الخارجية الأخرى في واجهات الأبراج، ساهمت في انتشار اللهب بسرعة.
هذه الأسئلة لا تنفصل عن النقاش الأوسع حول أداء الحكومة، إذ إن حجم الخسائر في وونغ فوك كورت يوصف بأنه مؤشر على مشكلات أعمق في إدارة ملف السلامة في المباني السكنية.
خطوات الحكومة والتحقيق في الحريق في تاي بو
رداً على الكارثة، أعلنت سلطات هونغ كونغ تشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في سبب الحريق في وونغ فوك كورت. التحقيقات الأولية أشارت إلى أن الشبك المستخدم في السقالات لأعمال الترميم في المجمع لم يستوفِ معايير مقاومة الاشتعال، وأن الحريق انتشر سريعاً بفعل هذا الشبك ومواد قابلة للاشتعال على الواجهات الخارجية للعمارات.
الحكومة أمرت بإزالة شبكات السقالات المماثلة المستخدمة في جميع مشاريع الترميم في هونغ كونغ، كإجراء احترازي. في الوقت نفسه، أعلنت الشرطة اعتقال 13 شخصاً للاشتباه في ارتكابهم جريمة قتل غير عمد على خلفية الحريق في وونغ فوك كورت في تاي بو.
حاكم الإقليم أكد أن فرق الاستجابة تعمل على إنقاذ وإيواء من فقدوا منازلهم في الحريق، وأن توزيع المساعدات الأساسية على المتضررين في تاي بو يتم بصورة عاجلة، مع استمرار عمليات البحث عن المفقودين في وونغ فوك كورت.

القبضة الأمنية على الدعوات لتحقيق مستقل في هونغ كونغ
بالتوازي مع التحقيق الرسمي في وونغ فوك كورت، تحركت الأجهزة الأمنية ضد بعض الأصوات المطالبة بمساءلة أوسع. تقارير تحدثت عن توقيف رجل يوم السبت للاشتباه في "التحريض على الفتنة"، بعد أن شارك في مجموعة كانت تجمع توقيعات على عريضة تدعو لتحقيق مستقل.
الشرطة استدعت أيضاً شخصين آخرين، أحدهما عضو مجلس منطقة سابق، في إطار التعامل مع التحركات المرتبطة بحريق تاي بو. العريضة التي كانت تطالب بلجنة تحقيق مستقلة في أحداث وونغ فوك كورت أزيلت من الإنترنت، ما أثار تساؤلات جديدة حول حدود التعبير في هونغ كونغ بعد تعديل النظام السياسي.
الحكومة بررت موقفها بضرورة الحفاظ على النظام العام أثناء التعامل مع تداعيات حريق تاي بو، في حين يرى منتقدون أن الإجراءات تعكس تشديداً إضافياً للسيطرة على الفضاء العام في هونغ كونغ.
تعليق الحملة الانتخابية واستمرار انتخابات المجلس التشريعي
إثر حريق وونغ فوك كورت، أوقفت السلطات فوراً فعاليات الدعاية السياسية المرتبطة بانتخابات المجلس التشريعي. المناظرات التي تنظمها الحكومة توقفت لبضعة أيام قبل أن تُستأنف لاحقاً، بينما أُلغيت الكرنفالات الانتخابية التي كانت جزءاً من الحملة الترويجية للتصويت في هونغ كونغ.
رئيس السلطة التنفيذية في هونغ كونغ، جون لي، تمسك رغم ذلك بالمضي في الاقتراع للمجلس التشريعي كما هو مقرر. وقال إن على المدينة "أن تمضي قدماً حتى نتمكن من تحويل حزننا إلى قوة"، مضيفاً أن المجلس التشريعي الجديد سيكون قادراً على دعم أعمال إعادة الإعمار والإصلاحات المرتبطة بحريق تاي بو.
جدل حول شرعية النظام السياسي الجديد في هونغ كونغ
جون بي بيرنز، أستاذ فخري وخبير في السياسة الصينية بجامعة هونغ كونغ، قال إن الحكومة ستعتبر نسبة مشاركة مرتفعة في انتخابات المجلس التشريعي إشارة إلى أن السكان يرون النظام السياسي المعدّل في هونغ كونغ "شرعياً نسبياً". لكنه توقع أن تكون الأرقام متدنية، جزئياً بسبب تأثير حريق تاي بو.
بيرنز أشار إلى أن غالبية سكان هونغ كونغ كانوا تقليدياً يميلون إلى دعم معسكر "التحالف الديمقراطي" المعارض، الذي مُنع عملياً من خوض الانتخابات بعد التعديلات، ورجّح أن كثيرين من هؤلاء الناخبين لن يقتنعوا بالمشاركة هذه المرة، كما امتنعوا عن التصويت في 2021.
كما اعتبر أن حشد الناخبين الموالين للمعسكر المؤيد للحكومة لن يكون سهلاً أيضاً. بعضهم يرى أن الحكومة تصرفت بسرعة في إعادة إسكان المتضررين من حريق تاي بو وتقديم مساعدات "سريعة وسخية نسبياً"، في حين قد يختار آخرون الابتعاد عن الصناديق بسبب "خيبة الأمل، بل والغضب، من مشكلات الحوكمة التي كشفها الحريق" في هونغ كونغ.
نداءات رسمية للمشاركة في التصويت لدعم الحكومة والصين
في ضوء هذه التوقعات، أعاد مكتب الأمن القومي في هونغ كونغ نشر تعليق صادر عن وسيلة إعلامية موالية لبكين دعا السكان إلى التوجه إلى صناديق الاقتراع دعماً لجهود إعادة البناء.
التعليق قال إن "بناء مستقبل جيد معاً يبدأ من هذه الانتخابات"، مضيفاً: "إذا كنت حقاً تحب هونغ كونغ، فعليك أن تصوّت بإخلاص". الرسالة تعكس رغبة السلطات المحلية والمدعومة من الصين في ربط المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي بالولاء السياسي، سواء بعد حريق تاي بو أو في التعامل مع مستقبل المدينة ككل.




