الاحتياطي الفيدرالي يخفض أسعار الفائدة في أمريكا وسط خلاف داخلي
الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يقر خفضًا ثالثًا لأسعار الفائدة هذا العام، بينما يكشف التصويت المنقسم وخلافة جيروم باول المقبلة عن غموض مسار السياسة النقدية في أمريكا.
ملخص
الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خفّض أسعار الفائدة للمرة الثالثة هذا العام، لكنه أبقى الباب مفتوحًا أمام فترة انتظار طويلة قبل أي تحرك جديد، في ظل خلافات داخلية وضغط سياسي من دونالد ترامب. القرار خفّض سعر الفائدة الأساسي ربع نقطة مئوية ليتحرك في نطاق بين 3.50% و3.75%، وهو أدنى مستوى خلال ثلاث سنوات، بينما تشير التوقعات الرسمية إلى خفض واحد فقط إضافي العام المقبل ما لم تتغير البيانات. جيروم باول أكد أن آثار الخفض على سوق العمل الأمريكي والتضخم تحتاج وقتًا لتتضح، فيما يستعد البيت الأبيض لحسم هوية من سيخلفه في رئاسة البنك المركزي.

سعر الفائدة الأساسي والانقسام داخل الفيدرالي
بحسب بيان الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الصادر الأربعاء، قرر البنك خفض سعر الفائدة الأساسي المستهدف بمقدار 0.25 نقطة مئوية، ليقع في نطاق يتراوح بين 3.50% و3.75%. هذا هو الخفض الثالث خلال العام، ويعيد السعر إلى أدنى مستوى له منذ ثلاث سنوات.
ورغم الخفض، لا يوجد إجماع داخل لجنة السياسة النقدية حول الخطوة المقبلة. ثلاثة من المسؤولين خالفوا القرار: ستيفن ميران، الموجود في إجازة من رئاسة مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس دونالد ترامب، صوّت لصالح خفض أكبر بمقدار 0.5 نقطة مئوية، بينما أراد أوستان غولسبي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، وجيفري شمد، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، الإبقاء على سعر الفائدة الأساسي دون تغيير.
التوقعات الاقتصادية التي نشرها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تشير إلى خفض واحد للفائدة العام المقبل، مع تأكيد أن البيانات الجديدة قد تغيّر هذا المسار.
سوق العمل والتضخم في الولايات المتحدة
جيروم باول قال إن صناع السياسة بحاجة إلى وقت ليروا كيف ستنعكس التخفيضات الثلاثة هذا العام على الاقتصاد الأمريكي. وأوضح أنهم سيراقبون عن كثب البيانات حتى الاجتماع المقبل في يناير، مضيفًا: «نحن في وضع جيد يتيح لنا الانتظار لرؤية كيف سيتطور الاقتصاد».
باول وصف الموقف بأنه «وضع شديد الصعوبة» مع تزامن مخاطر ارتفاع البطالة والتضخم في الولايات المتحدة، وقال: «لا يمكنك أن تفعل شيئين في وقت واحد». بيانات وزارة العمل الأمريكية، التي تأخرت بسبب أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة وانتهى في نوفمبر، أظهرت ارتفاع معدل البطالة من 4.3% إلى 4.4% في سبتمبر.
خفض سعر الفائدة الأساسي يهدف إلى جعل الاقتراض أقل كلفة للشركات، في محاولة لدعم سوق العمل. في المقابل، ما زال التضخم في الولايات المتحدة أعلى من هدف 2%؛ فقد بلغ في سبتمبر 3% لأول مرة منذ يناير. التوقعات السابقة بأن الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها ترامب على شركاء تجاريين كبار ستؤدي إلى «تضخم مدفوع بالتعريفات» كانت في صدارة القلق في وقت مبكر من العام، لكن قراءات التضخم الأحدث، الأضعف من المتوقع، سمحت للبنك بتوجيه مزيد من الاهتمام إلى سوق العمل.
ضغوط دونالد ترامب على الاحتياطي الفيدرالي
دونالد ترامب كان من أوائل المطالبين بخفض أسرع وأعمق لأسعار الفائدة. وبعد إعلان القرار، قال إن خفض ربع نقطة «كان يمكن أن يُضاعَف على الأقل». وأضاف في مائدة مستديرة بالبيت الأبيض: «يجب أن تكون أسعارنا أقل بكثير. ينبغي أن تكون لدينا أدنى أسعار فائدة في العالم».
موقف ترامب هذا يأتي بعد سلسلة من الدعوات العلنية لجيروم باول إلى خفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع. ارتباط ستيفن ميران بمجلس المستشارين الاقتصاديين لترامب، رغم وجوده في إجازة، أضفى بعدًا سياسيًا إضافيًا على انقسام التصويت داخل لجنة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

خلافات صناع القرار داخل الفيدرالي
عند سؤاله عن اتساع الخلاف بين صناع السياسة، أقر جيروم باول بأن وجود «توتر مستمر» بين هدف استقرار الأسعار وهدف خفض البطالة أمر «غير معتاد». وقال: «وعندما يحدث ذلك، فهذا ما ترونه»، في إشارة إلى الأصوات المعارضة داخل اللجنة.
مع ذلك، وصف باول النقاش الداخلي بأنه «مدروس ومحترم»، مضيفًا: «نلتقي ونصل إلى نقطة يمكننا فيها اتخاذ قرار». ما يُعرف بالمخطط النقطي، وهو توقع اقتصادي فصلي مجهول المصدر، أظهر أن التقدير الوسيط ما زال يتوقع خفضًا إضافيًا بمقدار 0.25 نقطة مئوية في عام 2026، دون تغيير عن توقعات سبتمبر.
من المنتظر أن يحصل صناع السياسة على صورة أوضح الأسبوع المقبل مع صدور بيانات رسمية جديدة عن سوق العمل والتضخم في نوفمبر. هذه الأرقام قد تعزز الدعوات لمزيد من التيسير العام المقبل إذا ظهرت إشارات إضافية على تباطؤ في سوق العمل.
سباق خلافة جيروم باول في الاحتياطي الفيدرالي
إلى جانب النقاش حول سعر الفائدة الأساسي، يزيد البحث عن خليفة لجيروم باول في رئاسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من حالة عدم اليقين. تنتهي ولاية باول في مايو المقبل، ويمكن لترامب أن يعلن اختياره خلال الأسابيع القليلة القادمة.
كيفن هاسيت، الاقتصادي المحافظ والمستشار الاقتصادي البارز لترامب، يُنظَر إليه على أنه المرشح الأوفر حظًا. هاسيت شغل منصب رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين خلال الولاية الأولى لترامب، ويتولى الآن رئاسة المجلس الاقتصادي الوطني. وقد دافع بقوة عن سياسات ترامب الاقتصادية، وقلّل من شأن بيانات تشير إلى ضعف في الاقتصاد، وساند اتهامات بوجود انحياز في مكتب إحصاءات العمل، ودعم طريقة الرئيس في التعامل مع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
هذا الارتباط الوثيق بالبيت الأبيض دفع محللين للتساؤل عن مدى استقلاليته إن أصبح رئيسًا للبنك المركزي، وعن تأثيره المحتمل على بقية أعضاء المجلس. من الأسماء الأخرى المطروحة كيفن وورش، والعضو الحالي في مجلس المحافظين كريستوفر والر، ووزير الخزانة سكوت بيسنت.



