الولايات المتحدة تنهي عضويتها في منظمة الصحة العالمية بعد عقود
واشنطن تعلن الانسحاب الكامل من منظمة الصحة العالمية وسط خلافات ممتدة حول إدارة الصحة العالمية.
ملخص
أعلنت الولايات المتحدة إنهاء عضويتها في منظمة الصحة العالمية بعد ما يقرب من ثمانين عامًا من المشاركة، في خطوة رسمية جاءت بعد عام كامل من بدء إجراءات الانسحاب. القرار، الذي أكده مسؤولون أمريكيون في أواخر يناير 2026، أعاد فتح ملف الخلافات القديمة بين واشنطن والمنظمة، خاصة ما يتعلق بإدارة الأزمات الصحية العالمية ودور السياسة في عملها. ومع توقف التمويل الأمريكي وسحب الكوادر، تواجه منظمة الصحة العالمية تحديات مالية وبرامجية واسعة، بينما تتجه الإدارة الأمريكية إلى إعادة صياغة دورها الصحي خارجيًا عبر مسارات بديلة.

قرار الانسحاب الأمريكي من منظمة الصحة العالمية
أعلنت الحكومة الأمريكية اكتمال انسحابها من منظمة الصحة العالمية، لتضع بذلك حدًا لعضوية استمرت منذ تأسيس المنظمة تقريبًا. وجاء الإعلان بشكل مشترك من وزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت إف. كينيدي الابن ووزير الخارجية ماركو روبيو، مؤكدين أن الانسحاب أصبح نافذًا في أواخر يناير 2026، تنفيذًا لأمر تنفيذي أصدره الرئيس دونالد ترامب مع بداية ولايته الجديدة. القرار أنهى فعليًا العلاقة المؤسسية بين الولايات المتحدة والهيئة الصحية التابعة للأمم المتحدة، وأثار ردود فعل واسعة على المستوى الدولي.
خلفيات الخلاف بين واشنطن ومنظمة الصحة العالمية
ترجع جذور هذا القرار إلى فترة الرئاسة الأولى لدونالد ترامب، حين أعلنت الولايات المتحدة في يوليو 2020 نيتها الانسحاب من منظمة الصحة العالمية، متهمةً إياها بسوء إدارة جائحة كوفيد-19 وبالخضوع لتأثيرات سياسية، لا سيما من الصين. إلا أن هذا المسار توقف لاحقًا مع عودة الولايات المتحدة إلى المنظمة في يناير 2021 خلال أول يوم من ولاية الرئيس جو بايدن. ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025، أعيد فتح ملف الانسحاب، وبدأت الإجراءات القانونية مجددًا وفق فترة الإخطار الإلزامية التي تمتد عامًا كاملًا.
تجميد التمويل وسحب الكوادر الأمريكية
مع انطلاق عملية الانسحاب، اتخذت الولايات المتحدة خطوات عملية لفك ارتباطها بالمنظمة، كان أبرزها التجميد الفوري للمساهمات المالية. وكانت واشنطن أكبر ممول لمنظمة الصحة العالمية، إذ ساهمت بنحو 18 في المئة من ميزانيتها، ما يعادل مئات الملايين من الدولارات سنويًا. كما جرى سحب الموظفين الأمريكيين والمتعاقدين العاملين ضمن برامج المنظمة في مختلف الدول، وإعادة توجيههم إلى مبادرات وطنية أو اتفاقات ثنائية تركز على الأمن الصحي الأمريكي ودعم الحلفاء بشكل مباشر.
قدمت إدارة ترامب الانسحاب بوصفه تصحيحًا لمسار تعتبره غير فعال، مشيرة إلى ما وصفته بإخفاق المنظمة في تنفيذ إصلاحات حقيقية والاستجابة المبكرة للأوبئة. وأكد مسؤولون في الإدارة أن الأموال التي دفعتها الولايات المتحدة على مدى عقود كان من الأفضل توجيهها إلى برامج مباشرة وأكثر خضوعًا للمساءلة. واعتبروا أن الخروج من منظمة الصحة العالمية يمنح واشنطن حرية أكبر في صياغة سياساتها الصحية دون قيود بيروقراطية دولية.

الجدل القانوني حول الالتزامات المالية
لم يخلُ الانسحاب من خلاف قانوني، إذ أكدت منظمة الصحة العالمية أن القرار لا يكتمل قانونيًا قبل سداد الولايات المتحدة التزامات مالية متأخرة تُقدّر بأكثر من 260 مليون دولار عن دورة 2024–2025. واستندت المنظمة إلى قرار صادر عن الكونغرس الأمريكي عام 1948 يربط الانسحاب بتسوية المستحقات المالية. في المقابل، رفضت الإدارة الأمريكية هذه المطالب، مؤكدة عدم نيتها دفع أي مبالغ إضافية، ووصفت موقف المنظمة بأنه محاولة إدارية لعرقلة الانسحاب.
ردود الفعل الدولية وتداعيات الانسحاب على الصحة العالمية
ترك القرار الأمريكي أثرًا مباشرًا على عمل منظمة الصحة العالمية، التي أعلنت عن تقليص برامج وتسريح عدد من الموظفين نتيجة العجز المالي. وواجهت مبادرات صحية في دول منخفضة الدخل تحديات متزايدة، شملت برامج التطعيم ومكافحة فيروس نقص المناعة البشرية ومراقبة تفشي الأمراض. وحذّر مسؤولون صحيون من أن غياب التمويل والخبرة الأمريكية قد يضعف القدرة العالمية على الاستجابة السريعة للأوبئة المستقبلية ومقاومة الميكروبات للأدوية.
قوبل الانسحاب بانتقادات من مسؤولين صحيين سابقين وحلفاء دوليين، اعتبروا الخطوة انعزالية في وقت تتطلب فيه التحديات الصحية تعاونًا دوليًا واسعًا. وأشارت أطراف أوروبية وكندا إلى الدور التاريخي للولايات المتحدة في إنجازات صحية عالمية، من بينها القضاء على الجدري. في المقابل، التزمت الصين ردودًا هادئة، بينما رأت بعض التحليلات أن الفراغ الأمريكي قد يفتح المجال لقوى أخرى لتعزيز نفوذها داخل المنظمة.
داخليًا، ينسجم الانسحاب مع سياسة "أمريكا أولًا" التي تتبناها إدارة ترامب، حيث أشارت إلى نيتها تعزيز الاستعداد الوطني للأوبئة وتوسيع المساعدات الصحية الثنائية. وتركز الخطة الأمريكية الجديدة على الاستثمار في القدرات المحلية والشراكات المباشرة بدل الاعتماد على الأطر متعددة الأطراف، مع التأكيد على الاستقلالية والرقابة الصارمة على الإنفاق.




