غارات إسرائيلية دامية تهز غزة وسط تصاعد التوترات رغم وقف إطلاق النار
مقتل عشرات الفلسطينيين في ضربات جوية متفرقة مع تبادل الاتهامات بخرق الهدنة الهشة.
ملخص
شهد قطاع غزة يومًا من أعنف أيام التصعيد منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، بعد تنفيذ غارات إسرائيلية على مناطق متفرقة أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، بينهم أطفال ونساء. الضربات التي امتدت من مدينة غزة شمالًا إلى خان يونس جنوبًا فجّرت موجة جديدة من الاتهامات المتبادلة بخرق التهدئة، في وقت تشهد فيه الجهود السياسية تعثرًا واضحًا. وبينما أكد الجيش الإسرائيلي أن عملياته جاءت ردًا على نشاط مسلح، اعتبرت حركة حماس ما جرى انتهاكًا صارخًا للاتفاق، وسط تحذيرات من اتساع رقعة المواجهات مع اقتراب إعادة فتح معبر رفح.

غزة تحت القصف منذ ساعات الفجر
بدأت الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة في ساعات الفجر الأولى من يوم السبت، وفق ما أفاد به شهود عيان ومسؤولون طبيون محليون. واستهدفت الضربات مناطق متعددة في شمال ووسط وجنوب القطاع، ما أدى إلى حالة من الذعر بين السكان، خاصة في الأحياء السكنية المكتظة. وأكدت مصادر طبية في غزة أن القصف تسبب في سقوط عدد كبير من القتلى خلال وقت قصير، في مؤشر على شدة الهجمات واتساع نطاقها الجغرافي.
في مدينة غزة، تعرض مبنى سكني في حي الرمال الغربي لغارة جوية أدت إلى مقتل خمسة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال من عائلة واحدة، بحسب إفادات أقارب الضحايا. وذكر شهود أن سكان الحي حاولوا انتشال الجثامين من تحت الأنقاض وسط فوضى عارمة. وقال سامر العتبش، أحد الناجين، للصحفيين إنه عثر على جثث قريباته الصغيرات في الشارع بعد القصف، متسائلًا عن ذنب الأطفال الذين سقطوا ضحية للهجوم.
ضربة على مركز شرطة في الشيخ رضوان
وفي منطقة الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، استهدفت غارة أخرى مبنى تابعًا للشرطة، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 11 شخصًا. وأوضح مدير مستشفى الشفاء، الدكتور محمد أبو سلمية، أن الضحايا شملوا عناصر شرطة ومحتجزين مدنيين كانوا داخل المبنى، إضافة إلى مدنيين تصادف وجودهم في المكان وقت الضربة. وأشار إلى أن المستشفى استقبل أعدادًا كبيرة من المصابين جراء الهجوم.
خان يونس واستهداف نازحين في خيام
جنوبًا، شهدت مدينة خان يونس قصفًا استهدف مخيمًا من الخيام يؤوي عائلات نازحة، وفق ما أعلنت المديرية العامة للدفاع المدني في غزة. وأدى الهجوم، الذي نفذته مروحيات حربية، إلى مقتل سبعة أشخاص، بينهم أب وثلاثة من أطفاله وثلاثة من أحفاده. وأكد الدفاع المدني أن عددًا من المصابين ظلوا عالقين تحت الأنقاض لفترة، في ظل صعوبة الوصول إلى الموقع بسبب الدمار.
وزارة الصحة الفلسطينية وحصيلة الضحايا
أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة أن الغارات أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 28 فلسطينيًا، إلى جانب إصابة 30 آخرين بجروح متفاوتة. وأوضح المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل أن الأطفال شكّلوا نحو ربع عدد القتلى، فيما بلغت نسبة النساء قرابة الثلث، استنادًا إلى الجثامين التي جرى انتشالها حتى الآن. وأضاف أن الحصيلة مرشحة للارتفاع مع استمرار عمليات البحث والإنقاذ في المناطق المتضررة.

الجيش الإسرائيلي وتبرير العمليات العسكرية
أكد الجيش الإسرائيلي تنفيذ الغارات، واصفًا إياها بأنها ضربات دقيقة استهدفت مواقع تابعة لحركتي حماس والجهاد الإسلامي. وقالت القيادة العسكرية إن العمليات جاءت ردًا على ما وصفته بخرق لوقف إطلاق النار يوم الجمعة، بعد رصد ثمانية مسلحين خرجوا من أنفاق في شرق رفح، وهي منطقة تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي. وأعلن الجيش مقتل ثلاثة من المسلحين خلال الاشتباك واعتقال رابع، قال إنه قائد ميداني في حركة حماس، بحسب بيان رسمي.
أوضح الجيش الإسرائيلي أن الضربات الجوية اللاحقة استهدفت مخازن أسلحة ومواقع تصنيع ومنصات إطلاق صواريخ في وسط قطاع غزة، مشيرًا إلى أن العمليات نُفذت بالتنسيق مع جهاز الأمن العام الإسرائيلي. وذكر أن هذه المواقع شكّلت تهديدًا مباشرًا لقواته، وفق التقييمات العسكرية الصادرة عنه.
حركة حماس ترد وتتهم بخرق الهدنة
من جانبها، أدانت حركة حماس الغارات ووصفتها بأنها انتهاك فاضح لاتفاق وقف إطلاق النار ومجزرة بحق المدنيين. ودعت الحركة الولايات المتحدة والوسطاء الدوليين إلى التدخل الفوري لوقف ما اعتبرته تصعيدًا خطيرًا. ورفضت حماس الرواية الإسرائيلية، مؤكدة أن الضربات تعكس استخفافًا بالاتفاق وجهود التهدئة الجارية.
خلفية اتفاق وقف إطلاق النار والخسائر البشرية
تأتي هذه التطورات في ظل اتفاق تهدئة بوساطة الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب، دخل مرحلته الثانية مطلع الشهر الجاري. وكان الاتفاق قد أُبرم بعد أكثر من عامين من الحرب التي اندلعت عقب هجوم قادته حركة حماس على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، وأسفر عن مقتل نحو 1,200 إسرائيلي واختطاف قرابة 250 شخصًا، بحسب السلطات الإسرائيلية. وردّت إسرائيل بحملة عسكرية واسعة دمّرت أجزاء كبيرة من قطاع غزة.
تقدّر وزارة الصحة الفلسطينية في غزة عدد القتلى منذ اندلاع الحرب بأكثر من 71,000 فلسطيني. وأكدت الأمم المتحدة أن هذه الأرقام تُعد موثوقة رغم تشكيك الحكومة الإسرائيلية بها، فيما نقلت صحيفة هآرتس عن مصادر أمنية إسرائيلية رفيعة إقرارها بأن الأرقام المعلنة تعكس حجم الخسائر بشكل عام.
معبر رفح وتوقيت التصعيد
جاءت الغارات قبل يوم واحد من الموعد المقرر لإعادة فتح معبر رفح الحدودي مع مصر، والذي كان من المنتظر أن يُستأنف العمل به يوم الأحد لتسهيل دخول المساعدات الإنسانية وحركة المدنيين بعد أشهر من الإغلاق. ويخشى مراقبون أن يؤثر التصعيد العسكري على هذه الخطوة الحيوية في ظل الوضع الإنساني المتدهور في القطاع.



