رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:50 م calendar السبت 18 يوليو 2026

الهند تناقش فرض قيود عمرية على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي

نقاش وطني وولائي متصاعد حول حماية الأطفال من الإدمان الرقمي وتأثيراته التعليمية والنفسية.

الهند تدرس فرض قيود
الهند تدرس فرض قيود عمرية على وسائل التواصل الاجتماعي لحماية الأطفال - Illustration

    ملخص

    تشهد الهند نقاشاً متصاعداً حول فرض قيود عمرية على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، في ظل تحذيرات رسمية من تأثير الإدمان الرقمي على الصحة النفسية والتعليم. ويأتي هذا الجدل مدفوعاً بتوصيات الدراسة الاقتصادية السنوية لعام 2025-2026 الصادرة عن وزارة المالية، إلى جانب تحركات متفرقة من حكومات الولايات. وبينما لا يوجد حظر وطني حتى الآن، تدرس ولايات مثل أندرا براديش وغوا وكيرالا وكارناتاكا إجراءات تنظيمية متفاوتة، مستلهمة تجارب دولية أبرزها أستراليا وفرنسا. في المقابل، تبرز تحديات تقنية وقانونية، إضافة إلى مخاوف من آثار غير مقصودة على سلامة الأطفال وحرية الوصول إلى الإنترنت.

    نقاش حكومي في الهند حول تنظيم استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي
    نقاش حكومي في الهند حول تنظيم استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي

    الهند وتنامي القلق من الإدمان الرقمي لدى الأطفال

     

    تصاعد النقاش في الهند حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال مع تزايد المخاوف المرتبطة بالصحة النفسية والانتباه والتحصيل الدراسي. ووفقاً لتقارير صادرة عن وزارة المالية الهندية، حذرت الدراسة الاقتصادية السنوية لعام 2025-2026 من ظاهرة “الإدمان الرقمي”، مشيرة إلى أن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية والألعاب عبر الإنترنت يهدد إنتاجية الأطفال وقدرتهم على التركيز، ويجعل الفئات العمرية الأصغر أكثر عرضة للمحتوى الضار. الدراسة، التي أعدها فريق بقيادة كبير المستشارين الاقتصاديين للحكومة، دعت إلى دراسة فرض حدود عمرية واضحة، مع تحميل منصات وسائل التواصل مسؤولية التحقق من أعمار المستخدمين وتوفير إعدادات افتراضية أكثر أماناً.

    السياق الدولي وتأثير التجارب الخارجية على النقاش الهندي

     

    اكتسب الجدل زخماً إضافياً بعد الخطوات التي اتخذتها دول أخرى لتنظيم وصول الأطفال إلى وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أصبحت أستراليا أول دولة تفرض حظراً كاملاً على استخدام هذه المنصات لمن هم دون 16 عاماً، بموجب قانون تعديل السلامة عبر الإنترنت الذي دخل حيز التنفيذ في ديسمبر الماضي، وأدى إلى إغلاق ملايين الحسابات مع إلزام المنصات بالتحقق من الأعمار. وفي أوروبا، أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية مشروع قانون يحظر الوصول لمن هم دون 15 عاماً بانتظار موافقة البرلمان العلوي، بينما تدرس المملكة المتحدة إجراءات مشابهة. كما أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز عن خطط لفرض حظر على من هم دون 16 عاماً، لتصبح إسبانيا أول دولة أوروبية تتجه إلى هذا المستوى من القيود، وفق تقارير إعلامية دولية.

    الإطار القانوني الحالي في الهند وحماية بيانات الأطفال

     

    رغم كون الهند أكبر سوق لمنصات مثل ميتا ويوتيوب، مع أكثر من مليار مستخدم للإنترنت، لا يوجد حتى الآن حظر وطني شامل على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال. ويشمل الإطار القانوني لحماية البيانات الرقمية اشتراط موافقة أولياء الأمور على الخدمات المقدمة لمن هم دون 18 عاماً، إضافة إلى حظر التتبع السلوكي والإعلانات الموجهة للأطفال. إلا أن هذا الإطار لم يدخل حيز التنفيذ بعد، ما يترك فجوة تنظيمية في التعامل مع الاستخدام اليومي للأطفال لهذه المنصات.

    أندرا براديش ومبادرة تنظيمية على مستوى الولايات

     

    برزت ولاية أندرا براديش كإحدى أكثر الولايات نشاطاً في هذا الملف. فقد شكلت الحكومة لجنة وزارية لدراسة الأطر القانونية العالمية، ودعت شركات كبرى مثل ميتا وإكس وغوغل وشيرشات إلى جلسات تشاور، بحسب ما أعلنه وزير تكنولوجيا المعلومات في الولاية نارا لوكيش عبر منصة إكس. وأشار لوكيش إلى أن الأطفال “يغرقون في استخدام مستمر” لوسائل التواصل الاجتماعي، ما يؤثر على تركيزهم وتعليمهم، مؤكداً أن هدف الولاية هو جعل هذه المنصات أكثر أماناً، خصوصاً للنساء والأطفال. وفي السياق نفسه، قدم المشرع إل إس كيه ديفارايالو، المنتمي إلى حزب التيلوجو ديسام الحاكم في الولاية والحليف الرئيسي لتحالف رئيس الوزراء ناريندرا مودي، مشروع قانون خاص يحظر إنشاء أو الإبقاء على حسابات لمن هم دون 16 عاماً.

    مواقف تشريعية وتحذيرات اقتصادية من استغلال البيانات

     

    في تصريحات لوكالة رويترز، قال إل إس كيه ديفارايالو إن الهند أصبحت “أحد أكبر منتجي البيانات للمنصات الأجنبية”، محذراً من إدمان الأطفال واستخدام بياناتهم في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي دون تحقيق فائدة اقتصادية للبلاد. ويقع مشروع القانون المقترح في 15 صفحة، ويحمّل منصات وسائل التواصل المسؤولية الكاملة عن التحقق من الأعمار، مع النص على تعطيل الحسابات المخالفة. هذه الطروحات تعكس توجهاً تشريعياً يربط بين حماية الأطفال والسيادة الرقمية والاعتبارات الاقتصادية.

    مخاوف رسمية في الهند من تأثير وسائل التواصل على الأطفال - Illustration
    مخاوف رسمية في الهند من تأثير وسائل التواصل على الأطفال - Illustration

    غوا وكيرالا وكارناتاكا ومسارات مختلفة للتنظيم

     

    في ولاية غوا، أعلن وزير تكنولوجيا المعلومات روهان خانتي أن الحكومة تدرس تطبيق حظر مشابه للتجربة الأسترالية، مدفوعاً بمخاوف تتعلق بالصحة النفسية للشباب. أما في كيرالا، فقد دعا وزير التعليم العام في سيفانكوتي إلى إطلاق نقاشات عامة واسعة حول إدمان وسائل التواصل الاجتماعي بين الطلاب، مشيراً إلى أن الولاية، التي تتصدر مؤشرات معرفة الإنترنت واستخدام الهواتف الذكية، تحتاج إلى قوانين تنظم استخدام الأطفال لهذه المنصات. وجاء ذلك في بيان رسمي صادر عن الوزارة ونشرته صحيفة “الهندو”، مع تخصيص 15 كرور روبية في الميزانية لبرامج التوعية. وفي كارناتاكا، يركز وزير تكنولوجيا المعلومات بريانك خارجي على برنامج “التخلص الرقمي” بالشراكة مع ميتا، والذي يشمل 300 ألف طالب و100 ألف معلم، دون الإعلان عن خطط واضحة لفرض قيود عمرية.

    تحديات التحقق من الأعمار ومخاوف المنصات الرقمية

     

    رغم الزخم السياسي، يواجه توجه فرض القيود العمرية تحديات عملية كبيرة. ففي أستراليا، أظهرت دراسات لمنظمات غير ربحية أن الأطفال تمكنوا من تجاوز الحظر باستخدام تواريخ ميلاد مزيفة. وفي الهند، حيث غالباً ما تُنشأ الحسابات بمساعدة أفراد العائلة ودون ربطها ببريد إلكتروني شخصي، تصبح عملية التحقق من الأعمار أكثر تعقيداً. وأشار ناشطون في مجال الحقوق الرقمية، من بينهم نيكهيل باوا، في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، إلى أن الاعتماد على تحديد الموقع عبر عناوين الآي بي غير دقيق، وقد يؤدي إلى تعارضات بين الولايات. كما أعربت منصات مثل ميتا عن قلقها من أن تؤدي هذه القيود إلى دفع الأطفال نحو مواقع غير منظمة وأقل أماناً.

    حوادث مأساوية تزيد الضغط المجتمعي والسياسي

     

    ازدادت الضغوط الشعبية بعد حوادث وُصفت بالمأساوية، من بينها انتحار ثلاث شقيقات قاصرات في مدينة غازياباد، كن مدمنات على لعبة كورية عبر الإنترنت. وأفادت الشرطة بالعثور على مذكرة انتحار توضح تفاصيل نشاطهن الرقمي، فيما أكد والد الفتيات أن الإدمان بدأ خلال جائحة كوفيد-19 وتسبب في تركهن الدراسة. وعلى منصة إكس، دعا نشطاء وآباء إلى فرض حظر فوري على الألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي للقاصرين، محذرين من فقدان جيل كامل إذا استمر الوضع على حاله.

    بين الحماية والحرية نقاش مفتوح دون حسم

     

    يعكس الجدل الدائر في الهند توازناً معقداً بين حماية الأطفال من مخاطر الإدمان والتنمر الإلكتروني، والحفاظ على حرية الوصول إلى المعلومات والتكنولوجيا. ورغم أن توصيات الدراسة الاقتصادية غير ملزمة، إلا أن دعم أحزاب رئيسية مثل حزب التيلوجو ديسام يمنحها ثقلاً سياسياً قد يؤثر على السياسات الاتحادية مستقبلاً. وبين الدعوات إلى الحظر الشامل والمقترحات التي تركز على التوعية والتنظيم الجزئي، يبقى المسار الذي ستختاره الهند مفتوحاً على عدة احتمالات.

    تم نسخ الرابط