ماكرون يدعو الاتحاد الأوروبي في بروكسل للتحرك كقوة عالمية مستقلة
الرئيس الفرنسي يحذر من تحديات هائلة ويطالب باستراتيجية أوروبية في الاقتصاد والدفاع والأمن.
ملخص
دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دول الاتحاد الأوروبي إلى التحرك كقوة عالمية مستقلة، محذرًا من تحديات متصاعدة في بيئة دولية وصفها بأنها مضطربة. وفي تصريحات نقلتها هيئة الإذاعة البريطانية وصحيفة التايمز، شدد على أن أوروبا لم تعد قادرة على الاعتماد الدائم على الولايات المتحدة، في ظل منافسة تجارية متزايدة من الصين وتداعيات الحرب في أوكرانيا مع روسيا. واقترح إصلاحات مالية واسعة تشمل سندات أوروبية مشتركة وتمويلًا سنويًا يصل إلى 1.2 تريليون يورو لدعم قطاعات استراتيجية، مؤكدًا أن نجاح هذه الرؤية يتوقف على قدرة الاتحاد الأوروبي على تجاوز انقساماته الداخلية.

إيمانويل ماكرون وتحذير من مرحلة اضطراب عالمي
قبل انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل المخصصة لبحث القدرة التنافسية الاقتصادية، وجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسالة واضحة إلى الشركاء الأوروبيين مفادها أن القارة تقف أمام اختبار تاريخي. وفي مقابلات أجراها مع صحف أوروبية كبرى، قال إن أوروبا تواجه “تحديات هائلة في عالم من الفوضى”، داعيًا إلى التحرك كقوة عالمية حقيقية بدل الاكتفاء بدور تابع في النظام الدولي.
ووفقًا لتقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، أكد ماكرون أن أوروبا “وحدها اليوم”، لكنها في الوقت نفسه تمتلك مقومات ضخمة بفضل عدد سكانها البالغ 450 مليون نسمة. واعتبر أن تحويل هذا الثقل إلى نفوذ فعلي يمثل جوهر “المغامرة الأوروبية”، واصفًا المرحلة الحالية بأنها “لحظة استيقاظ” تتطلب يقظة دائمة وعدم الركون إلى حلول مؤقتة بعد كل أزمة.
الاتحاد الأوروبي بين ضغوط الصين وروسيا والولايات المتحدة
عرض ماكرون صورة متشابكة للتحديات التي تحيط بالاتحاد الأوروبي من عدة اتجاهات. فعلى الصعيد الاقتصادي، وصف الصين بأنها “منافس يزداد شراسة”، مشيرًا إلى ما سماه “تسونامي صيني” في التجارة يهدد قطاعات صناعية أوروبية حساسة.
أما في ما يتعلق بروسيا، فأشار إلى أن إمدادات الطاقة الرخيصة منها توقفت منذ ثلاث سنوات، في إشارة إلى التداعيات المرتبطة بالحرب في أوكرانيا التي قال إنها “حرب عادت إلى أوروبا”. هذا التحول، بحسب طرحه، غيّر معادلات الأمن والطاقة داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي ما يخص الولايات المتحدة، أعرب ماكرون عن قلقه من مسار سياسي يرى أنه يبتعد عن “دولة القانون”، معتبرًا أن واشنطن لم تعد ضامنًا أبديًا لأمن أوروبا. ونقلت صحيفة التايمز البريطانية عنه وصفه لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنها “معادية صراحة لأوروبا” وتسعى إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي.
السيادة الاستراتيجية وآلية دين أوروبي مشترك
في مواجهة هذه الضغوط، جدد إيمانويل ماكرون دعوته إلى تعزيز ما يسميه “السيادة الاستراتيجية” للاتحاد الأوروبي، وهو المفهوم الذي يطرحه منذ توليه الرئاسة عام 2017. وأكد أن أوروبا بحاجة إلى أدوات مالية وصناعية جديدة تسمح لها بالتحرك باستقلالية أكبر في مجالات الاقتصاد والدفاع والأمن.
واقترح إنشاء آلية دين مشتركة أو ما سماه “سندات يورو للمستقبل”، بهدف تمويل استثمارات صناعية بمئات المليارات من اليورو سنويًا. وقدّر الحاجة التمويلية بنحو 1.2 تريليون يورو سنويًا لدعم قطاعات الأمن والدفاع والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي، مشددًا على ضرورة إطلاق برامج أوروبية واسعة لتمويل أفضل المشاريع في هذه المجالات الحيوية.

صنع في أوروبا والتفضيل الأوروبي
ضمن رؤيته الاقتصادية، دعا ماكرون إلى تبني استراتيجية “صنع في أوروبا” تقوم على مبدأ “التفضيل الأوروبي”. وأوضح أن هذا التوجه لا يعني الانغلاق أو الحماية التجارية، بل يهدف إلى تحقيق قدر من التماسك يحمي المنتجين الأوروبيين من المنافسة غير العادلة.
وأشار إلى أن الصين والولايات المتحدة تطبقان سياسات مشابهة لدعم صناعاتهما الوطنية، في حين تظل السوق الأوروبية، بحسب وصفه، الأكثر انفتاحًا في العالم. ومع ذلك، شدد على ضرورة فرض قواعد متساوية على المنتجات الأجنبية لضمان منافسة عادلة داخل الاتحاد الأوروبي.
انقسامات داخلية وتحديات أمام الاتحاد الأوروبي
رغم وضوح الطرح الفرنسي، لا يخفي إيمانويل ماكرون صعوبة تحقيق هذا التحول في ظل انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي. فقد أظهرت تقارير صادرة عن دويتشه فيله أن ألمانيا سبق أن رفضت مقترحات تتعلق بالدين المشترك، ما يعكس تباينات جوهرية في الرؤية الاقتصادية بين الدول الأعضاء.
كما أقر ماكرون بوجود نقاط ضعف في الاقتصاد الفرنسي، خاصة في ما يتعلق بعدم التوازن في الميزانية مقارنة ببعض دول الشمال الأوروبي. ومع ذلك، رأى أن الاتحاد الأوروبي ككل يمكن أن يشكل بديلًا جذابًا للمستثمرين العالميين بفضل أنظمته الديمقراطية، خصوصًا في ظل مخاوف الأسواق من الدولار الأمريكي.
وتبرز أيضًا توترات فرنسية ألمانية بشأن مشاريع دفاعية مشتركة، ما يكشف عن عمق الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي. ويرى مراقبون أن ما يسميه ماكرون “لحظة غرينلاند”، في إشارة إلى تهديدات سابقة من الرئيس دونالد ترامب بضم غرينلاند التابعة للدنمارك قبل التراجع عنها، قد تتحول إلى نقطة تحول حقيقية إذا نجح الاتحاد الأوروبي في استثمارها لتعزيز وحدته في مواجهة عالم سريع التغير.




