الولايات المتحدة تسجل أعلى تضخم سنوي منذ مايو 2024
بيانات رسمية تكشف أعلى وتيرة سنوية للأسعار في الولايات المتحدة منذ نحو عامين.
ملخص
جاءت قراءة التضخم الأمريكية لشهر مارس أعلى من الشهر السابق، مدفوعة أساسًا بقفزة حادة في أسعار البنزين والطاقة. وأعلن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن مؤشر أسعار المستهلكين ارتفع 0.9% على أساس شهري و3.3% على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى سنوي منذ مايو 2024. كما قفز مؤشر البنزين 21.2% خلال شهر واحد، وهو أكبر ارتفاع من نوعه منذ بدء تسجيل البيانات في 1967. وفي وقت بقي فيه التضخم الأساسي أكثر هدوءًا، زادت هذه التطورات الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي وعلى الأسر الأمريكية التي بدأت تشعر بوضوح بارتفاع كلفة الوقود.

قراءة مارس تضع التضخم الأمريكي تحت ضغط جديد
أعادت بيانات مارس ملف الأسعار إلى واجهة النقاش الاقتصادي في الولايات المتحدة، بعدما سجل التضخم الأمريكي أسرع وتيرة سنوية له منذ ما يقرب من عامين. وبحسب ما أعلنه مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين لجميع السلع بنسبة 0.9% خلال مارس مقارنة بفبراير، وهو أكبر صعود شهري منذ يونيو 2022. وعلى أساس سنوي، بلغ المعدل 3.3% بعد أن كان 2.4% في فبراير، ليصل إلى أعلى مستوى يُسجل منذ مايو 2024.
هذه القراءة جاءت بعد أشهر بدا فيها أن وتيرة الأسعار أكثر استقرارًا نسبيًا في بداية العام. لكن أرقام مارس أظهرت تغيرًا واضحًا في الاتجاه، مع انتقال الضغوط بقوة إلى المؤشر العام، في وقت بقيت فيه الأنظار مركزة على ما إذا كان الاقتصاد الأمريكي سيتجه إلى مزيد من التهدئة أم إلى موجة جديدة من ارتفاع الكلفة.
الوقود كان المحرك الأكبر للزيادة الشهرية
القفزة الأبرز جاءت من سوق الوقود. فقد أوضح مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن مؤشر البنزين ارتفع 21.2% خلال شهر واحد فقط، وهو أكبر ارتفاع شهري منذ بدء تسجيل هذه البيانات في عام 1967. كما شكل البنزين نحو ثلاثة أرباع الزيادة الشهرية الكلية في التضخم، ما يوضح حجم تأثيره المباشر في قراءة مارس.
ولم يتوقف الأمر عند البنزين وحده، إذ ارتفع مؤشر الطاقة ككل بنسبة 10.9%. أما التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة بسبب تقلباتهما، فسجل زيادة شهرية عند 0.2% ووصل إلى 2.6% على أساس سنوي، في ارتفاع طفيف مقارنة بالشهر السابق، ما يشير إلى أن الصدمة تركزت بشكل أساسي في الطاقة أكثر من انتقالها الواسع إلى بقية السلع والخدمات.
كما عكست الأسعار في محطات الوقود هذا التحول بشكل مباشر. فبحسب بيانات جمعية السيارات الأمريكية (AAA)، ارتفع المتوسط الوطني لغالون البنزين العادي بنحو دولار واحد خلال شهر واحد، ليصل إلى نحو 4.15 دولار. ووصفت تقارير اقتصادية نشرتها وكالة أسوشيتد برس ورويترز هذه القفزة بأنها الأكبر شهريًا منذ عقود.
الصراع في الشرق الأوسط يبدل مسار النفط والأسعار
ربطت المعلومات الواردة في التقرير هذا التطور بالتوترات الجيوسياسية الناتجة عن الصراع العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وأدى ذلك، وفق الوقائع المذكورة، إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لنقل النفط العالمي، ما تسبب في اضطراب إمدادات الخام وارتفاع أسعاره بصورة حادة.
وتكمن أهمية بيانات مارس في أنها تمثل أول تقرير عن التضخم يعكس بصورة كاملة تأثير هذا الصراع على الاقتصاد الأمريكي. لذلك لم يُنظر إلى الأرقام باعتبارها مجرد تحرك شهري في الأسعار، بل باعتبارها قراءة تكشف كيف يمكن لاضطراب جيوسياسي خارجي أن ينعكس سريعًا على كلفة الوقود ثم على المؤشرات الاقتصادية الأوسع داخل الولايات المتحدة.

الاحتياطي الفيدرالي بين ضغوط الأسعار وحسابات الفائدة
في تقييمهم للمشهد، قال خبراء اقتصاديون نقلت عنهم وسائل إعلام أمريكية مثل سي إن بي سي ونيويورك تايمز إن ارتفاع أسعار الطاقة لم ينتقل بعد على نطاق واسع إلى باقي فئات السلع والخدمات. وهذا ما يفسر بقاء التضخم الأساسي أكثر استقرارًا نسبيًا مقارنة بالقفزة الحادة في المؤشر العام.
لكن هذه المفارقة لا تقلل من أثر البيانات على صناع السياسة النقدية. فالاحتياطي الفيدرالي كان يأمل في خفض أسعار الفائدة خلال العام الجاري، إلا أن صعود التضخم الأمريكي بهذه الصورة يضع ضغوطًا جديدة على هذا المسار، لأن الارتفاع السريع في الطاقة قد يعقد حسابات توقيت أي خفض محتمل ويجبر صناع القرار على الحذر بدرجة أكبر.
الأسر الأمريكية تشعر بالأثر والتوقعات تغيرت سريعًا
على مستوى المستهلكين، أظهر استطلاع رويترز/إبسوس أن أكثر من نصف الأمريكيين يشعرون بالفعل بتأثير ارتفاع أسعار الوقود على ميزانياتهم المنزلية، فيما يتوقع معظمهم استمرار هذا الصعود خلال الأسابيع المقبلة. ويعكس ذلك انتقال أثر أسعار البنزين من شاشات الأسواق والمؤشرات إلى الإنفاق اليومي للأسر، بعد فترة كان فيها التضخم قد استقر عند مستويات منخفضة نسبيًا في الأشهر الأولى من العام.
وكانت بعض التقارير السابقة الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية قد توقعت تراجع أسعار البنزين خلال 2026، لكن التطورات الجيوسياسية غيّرت هذه التقديرات بصورة حادة. ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الارتفاع الحالي قد لا يكون دائمًا إذا عادت إمدادات النفط إلى طبيعتها تدريجيًا، إلا أن أثره في أرقام مارس ظهر مباشرًا وواضحًا، فيما يبقى المسار المقبل للأسعار مرتبطًا بما إذا كانت أسواق النفط ستستعيد توازنها أم ستظل تحت ضغط الاضطراب الحالي.




