البابا ليو الرابع عشر يهاجم "طغاة" يهدرون المليارات على الحروب ويدعو للسلام
تصريحات حادة في الكاميرون تربط بين الحرب واستغلال الدين وسط توتر متصاعد مع ترامب.
ملخص
حمل خطاب البابا ليو الرابع عشر في باميندا رسالة سياسية وأخلاقية شديدة الوضوح، بعدما هاجم من وصفهم بالطغاة الذين يهدرون المليارات على الحروب بدل توجيهها إلى العلاج والتعليم وإعادة الإعمار. وجاءت كلماته خلال قداس للسلام والعدالة في الكاميرون ضمن جولة أفريقية تمتد 11 يومًا وتشمل أربع دول. وتزامن الموقف مع وقف إطلاق نار قصير في المناطق الناطقة بالإنجليزية، ومع تصاعد خلاف علني مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. كما أعاد البابا التأكيد على رفضه توظيف الدين لتبرير العنف، وعلى تمسكه بالحوار والتعددية ورفض الحرب.

وسط حشود كبيرة في باميندا
اختار البابا ليو الرابع عشر أن يوجّه من باميندا واحدة من أقسى رسائله منذ بداية ولايته، عندما تحدث أمام عشرات الآلاف خلال قداس خُصص للسلام والعدالة أُقيم في مطار المدينة يوم 16 أبريل 2026. وجاءت المحطة الكاميرونية ضمن جولة أفريقية تستمر 11 يومًا وتشمل أربع دول، بعد وصوله إلى ياوندي في 15 أبريل.
ونقلت وكالة رويترز وصحيفة الغارديان عن البابا قوله إن العالم "يتعرض للنهب على يد حفنة من الطغاة"، في وصف مباشر لقادة قال إنهم ينفقون مليارات الدولارات على "القتل والتدمير" بينما تغيب الموارد اللازمة للشفاء والتعليم وإعادة الإعمار. وفي الخطاب نفسه قال أيضًا: "أسياد الحرب يتظاهرون بعدم معرفة أن تدمير شيء ما يستغرق لحظة واحدة فقط، بينما غالبا ما لا يكفي العمر بأكمله لإعادة بنائه".
رسالة البابا ضد الحرب واستغلال المقدس
لم يقتصر خطاب البابا على التنديد بالحرب من زاوية إنسانية فقط، بل وسّع موقفه ليشمل الاستخدام السياسي والعسكري للدين. وبحسب ما نقلته رويترز والغارديان، حذر من أولئك الذين يوظفون الخطاب الديني لتحقيق مصالح تتصل بالقوة أو المال أو النفوذ السياسي.
وقال في هذا السياق: "الويل لمن يستغلون الدين وباسم الله ذاته لمصلحتهم العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية، ساحبين المقدس إلى الظلام والدنس". كما أضاف أن العالم، رغم ما يتعرض له من نهب، "يظل مترابطا بفضل كثرة الإخوة والأخوات الداعمين"، في إشارة إلى تضامن المجتمعات في مواجهة العنف والانقسام.
زيارة إلى الكاميرون في توقيت بالغ الحساسية
حملت زيارة البابا إلى الكاميرون بعدًا يتجاوز الطابع الرعوي المعتاد، إذ جاءت في لحظة تشهد فيها المناطق الناطقة بالإنجليزية توترًا مزمنًا ونزاعًا مسلحًا مستمرًا منذ نحو عقد. وخلال وجوده في ياوندي، دعا البابا الحكومة الكاميرونية برئاسة الرئيس بول بيا، البالغ من العمر 93 عامًا، إلى مكافحة الفساد ومقاومة ما وصفه بـ"نزوات الأغنياء والأقوياء".
وتزامنت الزيارة أيضًا مع وقف إطلاق نار لثلاثة أيام أعلنه تحالف انفصالي في تلك المناطق. ووفقًا لتقارير جماعات حقوقية دولية، أدى النزاع إلى مقتل أكثر من 6500 شخص ونزوح أكثر من نصف مليون. كما شهدت المنطقة، بحسب ما رواه شهود أمام البابا خلال الزيارة، حوادث خطف استهدفت كهنة واعتداءات طالت دور العبادة.
خلاف علني مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب
جاء خطاب باميندا بعد أيام من تصاعد خلاف علني بين البابا ليو الرابع عشر والرئيس الأميركي دونالد ترامب. والبابا هو أول بابا مولود في الولايات المتحدة، ما أضفى على هذا الاشتباك العلني بُعدًا إضافيًا في المتابعة السياسية والإعلامية.
وبحسب المعلومات الواردة في التغطية، بدأ ترامب منذ 13 أبريل مهاجمة البابا عبر منصته "تروث سوشيال"، فوصفه بأنه "ضعيف في مكافحة الجريمة وفظيع في السياسة الخارجية". كما ادعى أن البابا يدعم امتلاك إيران لأسلحة نووية، وهو ادعاء قالت الصحف والوكالات الإخبارية إنه غير صحيح. كذلك نشر ترامب صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تُظهره محتضنًا من السيد المسيح، قبل أن يحذفها لاحقًا.
رد البابا وموقفه من الجدل السياسي
أثناء توجهه إلى الجزائر في بداية جولته الأفريقية، تجنب البابا الدخول في مواجهة سياسية مباشرة مع الرئيس الأميركي. وقال إنه "لن يدخل في جدال سياسي" مع ترامب، لكنه أوضح في الوقت نفسه أنه سيواصل الكلام "بقوة ضد الحرب" دفاعًا عن السلام والحوار والتعددية بين الدول.
هذا الموقف لم يأتِ منفصلًا عن مواقفه السابقة، بل بدا امتدادًا واضحًا لها. فالخطاب في باميندا أعاد تأكيد تمسكه بدور روحي يتناول القضايا الدولية من منظور أخلاقي، من دون أن ينزلق إلى سجال سياسي مباشر، حتى في ذروة الخلاف العلني مع ترامب.

خلفية التوتر المرتبطة بإيران
يقف وراء هذا التوتر أيضًا انتقاد البابا المتكرر للعملية العسكرية الأميركية الإسرائيلية في إيران، التي بدأت قبل أسابيع. وقد عبّر البابا في تصريحات سابقة عن رفضه للغة التهديد المستخدمة في هذا السياق، ووصف حديث ترامب عن أن "حضارة بأكملها ستموت" إذا لم تستجب إيران لمطالب الولايات المتحدة بأنه "غير مقبول على الإطلاق".
وفي السياق نفسه، شدد البابا على أن الله "لا يبارك أي صراع"، وقال في تصريحات سابقة أيضًا إن "الله لا يستمع إلى صلوات من أيديهم ملطخة بالدماء". وجاء هذا الموقف ضمن اعتراضه على استخدام اللغة الدينية لتبرير العنف أو منحه شرعية أخلاقية.
أفريقيا في صلب الرسالة لا على هامشها
عكست كلمات البابا في باميندا رؤية أوسع تتعلق بأفريقيا نفسها، لا بمجرد نزاع محلي أو خلاف دولي عابر. فقد دعا إلى رفض استغلال موارد القارة، واعتبر أن اللحظة الراهنة تتطلب استعادة "وحدة التنوع والثروات في البلاد والقارة"، مؤكدًا أن هذا الاستحقاق لا يحتمل التأجيل.
وفي السياق الكنسي الأوسع، أيدت رئيسة أساقفة كانتربري سارة مولالي دعوة البابا، ووصفتها بأنها دعوة "شجاعة لإقامة مملكة السلام". ويأتي ذلك في وقت يشكل فيه الكاثوليك الأفارقة أكثر من خمس الكاثوليك في العالم، ما يمنح الجولة الأفريقية وزنًا دينيًا وسياسيًا واضحًا.
نزاع طويل بلا اختراق حاسم
لا تنفصل هذه الزيارة عن واقع ممتد في الكاميرون منذ عام 2016 تقريبًا، حيث يستمر النزاع في المناطق الناطقة بالإنجليزية على خلفية توترات تاريخية بين الجزأين الفرنسي والبريطاني السابقين في البلاد. وحتى الآن، لم تحقق جهود السلام تقدمًا ملموسًا، رغم تعدد المبادرات ومحاولات التهدئة.
وفي هذا الإطار، بدا خطاب البابا ليو الرابع عشر في باميندا محاولة لتثبيت خط واضح: رفض الحرب، ورفض استغلال الدين، ورفض تبديد الموارد في التدمير بدل توجيهها إلى العلاج والتعليم وإعادة البناء، مع الإبقاء على استقلال الموقف الروحي عن الاستقطاب السياسي المباشر.



