وباء فئران بـ8000 فأر للهكتار ينهك مزارعي غرب أستراليا بعد حصاد قياسي
موجة غير مسبوقة تضرب مناطق زراعية واسعة وتثير مخاوف اقتصادية وصحية.
ملخص
تشهد مناطق واسعة من الحزام الزراعي الأسترالي انتشارًا كبيرًا للفئران بعد أشهر من الظروف التي وفرت لها الغذاء والتكاثر. وامتد التأثير إلى الحقول والمنازل والمنشآت العامة، بينما يواجه المزارعون خسائر متزايدة وتكاليف إضافية لإعادة الزراعة ومكافحة الآفة. وتشير تقديرات منظمة البحوث العلمية والصناعية الأسترالية (CSIRO) إلى وصول أعداد الفئران في بعض المناطق إلى مستويات تفوق بكثير الحد الذي يُصنف وباءً. وفي الوقت نفسه، تواصل السلطات والباحثون تقييم فعالية وسائل المكافحة الجديدة مع استمرار المخاوف بشأن الإنتاج الزراعي والصادرات.

لم تظهر المشكلة بشكل مفاجئ، بل بدأت مؤشرات انتشار الفئران تتزايد منذ فبراير الماضي في أجزاء واسعة من غرب أستراليا وجنوبها. وجاء ذلك بعد موسم شهد حصادًا قياسيًا في العام السابق، أعقبته أمطار صيفية وفرت كميات كبيرة من الغذاء في الحقول.
وبحسب تقديرات منظمة البحوث العلمية والصناعية الأسترالية (CSIRO)، وصلت الكثافة في بعض المناطق المتضررة إلى نحو 8000 فأر للهكتار الواحد، وهو رقم يتجاوز بشكل كبير المستوى الذي يُنظر إليه على أنه تفشٍ وبائي، والمقدر بنحو 800 فأر للهكتار.
ويشير الباحثون إلى أن وفرة الغذاء سمحت للفئران بالاستفادة من بيئة مواتية للتكاثر السريع، ما أدى إلى توسع انتشارها في مناطق إنتاج رئيسية للحبوب.
تأثير مباشر على الحقول والمنازل والخدمات
لم يقتصر انتشار الفئران على الأراضي الزراعية، بل امتد إلى التجمعات السكانية والمنشآت الخدمية. ففي مدينة موراوا، الواقعة على بعد 370 كيلومترًا شمال بيرث، انتشرت الفئران الميتة والمحتضرة في الشوارع الرئيسية، كما سُجل وجودها داخل المنازل والمتاجر والمدارس والمستشفيات.
وأثار هذا الوضع مخاوف صحية بين السكان بسبب احتمالات ارتباط الجثث المتحللة بانتشار الفيروسات. كما دفع اتساع نطاق المشكلة المسؤولين المحليين إلى المطالبة بإجراءات أكثر سرعة لمواجهة آثارها على المجتمعات المتضررة.
المزارعون بين الخسائر وتكاليف المكافحة
يقول المزارع جيوف كوسغروف، الذي يدير مزرعة تمتد على 14 ألف هكتار في مينجينيو بغرب أستراليا، إن المشكلة تتجاوز تكلفة شراء الطعوم، واصفًا الوضع بأنه "مكلف جداً وليس مجرد سعر الطعم".
وأضاف في تصريحاته أن الفئران "تلعب بعقلك – تجري ليلاً في السقف ووحدات التكييف. تسمعها وتشعر برائحتها... إنه كجسد يتحلل".
أما المزارعة والخبيرة الزراعية بيليندا إيستو، التي تدير مزرعة تبلغ مساحتها 5500 هكتار في نولبا قرب جيرالدتون، فاعتبرت أن الوضع الحالي أسوأ مما شهدته المنطقة قبل نحو خمس سنوات. وأوضحت أن الفئران بقيت هذا العام في الحقول بسبب وفرة الغذاء، قائلة: "كان لدينا حصاد قياسي العام الماضي، ثم جاءت أمطار الصيف... فحصلت الفئران على اللحم والسلطة معاً. كانت في جنة الفئران".
وفي موراوا، أوضح المزارع روبرت ميتشل أنه عاد إلى بعض الحقول بعد عشرة أيام من زراعتها ليجد أن الفئران حفرت البذور من التربة. وأشار إلى أن إعادة الزراعة تترافق مع تكاليف إضافية، بينها الطعوم التي قد تصل تكلفتها إلى 9 أو 10 دولارات للهكتار الواحد، إلى جانب نفقات الرش.
المناطق الأكثر تضررًا من انتشار الفئران
تشمل المناطق المتأثرة في غرب أستراليا مناطق جيرالدتون وميريدين وإسبرنس، كما امتد التأثير إلى سهول أديلايد وشبه جزيرة يورك في جنوب أستراليا.
وفي هذه المناطق يضطر المزارعون إلى إعادة زراعة بعض الحقول بعد فقدان البذور التي تستهلكها الفئران خلال الليل. كما ينفق عدد من المنتجين مئات الآلاف من الدولارات على برامج المكافحة في محاولة لحماية المحاصيل الزراعية من مزيد من الخسائر.

الطعم الجديد وجهود الحد من التفشي
منحت هيئة المبيدات والأدوية البيطرية الأسترالية، وهي الجهة التنظيمية الوطنية المختصة، ترخيصًا طارئًا في منتصف مايو لاستخدام طعم مزدوج القوة يعرف باسم ZP50 أو زنك فوسفيد المركز، بحيث يُنثر مباشرة في الحقول الزراعية.
وأوضح الباحث ستيف هنري من منظمة البحوث العلمية والصناعية الأسترالية (CSIRO) أن هذا الطعم قادر على خفض أعداد الفئران بنسبة تصل إلى 80% أو أكثر خلال ثماني ساعات من تناوله. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن فعاليته تتأثر بوجود مصادر غذائية أخرى متاحة للفئران.
ورغم ذلك، يرى مختصون أن الاعتماد على الطعوم وحدها لا يكفي للقضاء على المشكلة بالكامل، خصوصًا مع استمرار العوامل التي تساعد على تكاثر الفئران وانتشارها.
ضغوط اقتصادية ومخاوف على الإمدادات الزراعية
تأتي هذه الأزمة في وقت يواجه فيه المزارعون تحديات مالية إضافية. فقد ارتفعت أسعار الديزل نتيجة التوترات في الشرق الأوسط، ما زاد من تكاليف تشغيل المعدات الزراعية ومكافحة الآفات.
ودعت رئيسة المقاطعة كارين تشابل الحكومة إلى التدخل بصورة عاجلة، مشيرة إلى أن الفئران انتشرت في السيارات والمنازل والمدارس، وأضافت: "الأطفال يلعبون في هذا الوحل".
كما قال المتقاعد داميان رايان، الذي عمل في زراعة الأرض لمدة 50 عامًا، إنه "لم يرَ مثل هذا الوباء من قبل في حياته".
لماذا تتكرر هذه الأوبئة؟
تعيد الأزمة الحالية إلى الأذهان وباء الفئران الكبير الذي ضرب شرق أستراليا عام 2021، والذي بلغت كلفته على القطاع الزراعي نحو مليار دولار أسترالي، واستمر لأشهر طويلة في نيو ساوث ويلز وجنوب كوينزلاند.
ويشير الخبراء إلى أن مثل هذه التفشيات تظهر عادة كل أربع إلى خمس سنوات في المناطق الزراعية الجنوبية والشرقية. ويعود ذلك إلى سرعة دورة التكاثر لدى الفئران، إذ يمكن للأنثى أن تلد ما يصل إلى عشرة صغار كل 19 إلى 21 يومًا، كما تستطيع الحمل مجددًا بعد يومين أو ثلاثة فقط.
ويعزو مختصون تزايد تكرار هذه الأوبئة إلى بعض الممارسات الزراعية الحديثة، ومنها تقنيات عدم الحرث والاحتفاظ بالبقايا النباتية في الحقول، وهي عوامل توفر للفئران مصادر إضافية للغذاء والمأوى.
مخاوف مستمرة مع اقتراب فصل الشتاء
لا يزال القلق قائمًا بشأن انعكاسات الأزمة على الإمدادات الغذائية والصادرات الزراعية، خاصة أن أستراليا تُعد من أكبر الدول المصدرة للحبوب عالميًا.
ويأمل المزارعون أن يسهم الطقس البارد والرطب خلال الشتاء في الحد من انتشار الفئران، إلا أن الخبراء يرون أن السيطرة الكاملة على الوضع تتطلب استمرار الجهود والتنسيق بين المزارعين والجهات الحكومية، في ظل استمرار المواجهة اليومية مع هذه الآفة في الحقول والمناطق السكنية.
##لماذا تفاقم انتشار الفئران في غرب وجنوب أستراليا؟
تفاقم الانتشار بسبب حصاد قياسي في العام السابق أعقبته أمطار صيفية وفرت غذاءً وفيرًا داخل الحقول، ما خلق بيئة مناسبة لتكاثر الفئران بسرعة ووصول كثافتها في بعض المناطق إلى مستويات وبائية.
##كيف أثّر تفشي الفئران على المزارعين والسكان؟
تسبب التفشي في فقدان بذور ومحاصيل، واضطر بعض المزارعين إلى إعادة زراعة الحقول وتحمل تكاليف إضافية للمكافحة. كما امتدت الفئران إلى المنازل والمتاجر والمدارس والمستشفيات، ما أثار مخاوف صحية ومعيشية في المجتمعات المتضررة.




